Home / مقالة / مذاق الخبز المفرود في العصر الحجري

مذاق الخبز المفرود في العصر الحجري

أعلن فريق من علماء الآثار والأعراق (الأنثروبولوجيا) من جامعات كوبنهاجن ولندن وكامبردج عن اكتشاف مثير في منطقة الشبيقة 1، موقع البحث، الواقعة شمال شرق الأردن: قدم كل من أميا أرانز-أوتايجي، ولارا غونزاليس كاريتيرو، ومونيكا رامسي، ودوريان فولر، وتوبياس ريشتر أول دليل تجريبي على وجود الخبز المفرود المعد من أنواع الحبوب البرية1. ويشير هذا الخبز القديم الذي يعود إلى أكثر من 14,000 عام إلى بداية النشاط البشري في صنعة الخَبْز. والآن قد عُثِرَ على «حلقة مفقودة» في تاريخ الخُبز؛ وذلك بعد الاكتشافات السابقة لحبوب النشا غير المعالجة في الأدوات الحجرية الموجودة في منطقة الشبيقة، والعثور على بقايا خبز متفحم مُعَد من قمح يعود إلى العصر الحجري الحديث في أمعاء «أوتزي». كان التاريخ الثقافي لنشاط الخَبْز قد تم إثراؤه مجددًا من جانب واحد، بيد أننا لم نبلغ نهايته بعد.


فولكمار وايويل

المؤسس والشريك المدير
ستيرن-وايويل جروب
Stern-Wywiol Gruppe


فلوريان كفلر

علاقات عامة
Hoyningen-Huene

الخبز المفرود – أحد ابتكارات غرب آسيا

شكل: تحسنت اليوم جودة الخبز العربي المفرود بفضل تقنيات المواد الغذائية بالرغم من تدني نوعيات الحبوب.

تُعَد بقايا الخبز التي يعود تاريخها إلى ما قبل 14,400 عام هي أقدم ما عُثِرَ عليه من المخبوزات. وهي تؤكد النظرية العلمية التي ترى أن الخبز كان ضمن النظام الغذائي لأسلافنا قبل ظهور أسلوب الحياة المعتمد على الزراعة بأكثر من 10,000 عام. وتشير تحاليل البقايا المتفحمة إلى أن البشائر البرية من أنواع الحبوب المستأنسة سابقًا مثل القمح وحيد الحبة والجاودار والدخن والشوفان، كذلك كانت تُستخدَم في إعداد الخبز المفرود، وكانت تُطحَن وتُنخَل بدقة وتُنتَقَى وتُعجَن لتصير عجينًا. 2 وعلى الرغم من أن محصول الحبوب في ذلك الوقت كان كافيًا لإطعام الجماعات العائلية، فإن الخبز لم يصبح الغذاء الأساسي إلا ربما بحلول ثورة العصر الحجري الحديث. 3

من طبق جانبي إلى وجبة رئيسية
تقع منطقة الشبيقة في أقدم أراضي الحضارة النطوفية المكتشفة حتى الآن في جنوب غرب آسيا. وكانت الحضارة النطوفية في العصر الحجري الأوسط توجد في المناطق الحالية لإسرائيل والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا. وكان البدو، بصفتهم مُجَمِّعين، يجولون عبر الغابات والمراعي لقطع الأعشاب البرية باستخدام شفرات بسيطة. واليوم يرى المؤرخون أن جمع الحبوب كان بمثابة مرحلة انتقالية نحو المجتمعات القائمة على الزراعة؛ حيث بدأت القبائل النطوفية تدفن حباتها عمدًا في التربة قُربَ نهاية العصر الجليدي الأخير، أي قبل حوالي 13.000 عام، في أثناء موجة البرودة المؤقتة. وقد أحدثت هذه الزراعة المبكرة للبذور ثورة زراعية من تلقاء نفسها؛ حيث تحولت العائلات المستقرة من ثقافة الجمع إلى العمل في الزراعة وتربية الماشية اعتبارًا من عام 9,000 قبل الميلاد تقريبًا. وتمت زراعة الأعشاب البرية وفقًا لاحتياجات الإنسان: صارت سنابل القمح وحيد الحبة أكثر متانةً، وأصبحت الحبات أكبر حجمًا، وأضحى الخبز مكونًا غذائيًّا أساسيًّا. 4

“أوتزي” تناول الخبز المفرود المُعَد من القمح وحيد الحبة المزروع
كان غرب آسيا نقطة انطلاق لانتشار زراعة القمح في وقت مبكر على مدار الـ 7000 سنة التالية في أوروبا والشرق الأقصى. وفي حوالي عام 7.500 قبل الميلاد، انتقل أسلوب الحياة القائم على الزراعة إلى أوروبا تدريجيًّا عبر البلقان وإقليم البحر المتوسط. وكان العثور على مومياء الجليد “أوتزي” في وادي أوتز بجبال الألب هو أقدم دليل حتى الآن على الخبز المعد من القمح وحيد الحبة المزروع. وتم الحفاظ على جسد مومياء الجليد، التي عثر عليها متجولون ألمان في عام 1991، بشكل مثالي، ومكَّنَنَا هذا من إلقاء نظرة على زمن ما قبل 5.300 عام، وهو الزمن المبكر للزراعة في أوروبا. وقد عُثِرَ بالفعل على حبتين من القمح وحيد الحبة المزروع في بقايا معطف الفرو الخاص بأوتزي. وفي أمعاء المومياء، تم اكتشاف وجود جزيئات صغيرة من الفحم تشير إلى

أن الرجل كان يتناول الخبز المفرود المعد من القمح وحيد الحبة. واليوم يمكن رؤية “أوتزي” في متحف جنوب تيرول للآثار في مدينة بولسانو. وقد تمت عملية إعادة تكوين شخصية “أوتزي” بشكل منقطع النظير بفضل التعاون الوثيق مع متحف جنوب تيرول للآثار لصالح متحف ميلفيلتن الواقع في فيتنبورج شمال ألمانيا. ويعتبر متحف ميلفيلتن مبادرة من شركة Mühlenchemie ش. ذ. م. م. وشُرَكائه ، شركة تضامن، التي تعد واحدة من أهم الشركات في العالم في معالجة الدقيق. ويُعَد التصوير المقطعي المحوسب للهيكل العظمي لمومياء الجليد بمثابة نموذج. أما الملابس المصنوعة من الفراء والأحذية والفأس النحاسي، فهي مصنوعة وفقًا للأشياء الأصلية التي عُثِرَ عليها.

هل خبز الحضارة النطوفية كان بشائر الخبز المفرود العربي الحديث؟

شكل: رسم توضيحي لقمح وحيد الحبة مزروع في متحف ميلفيلتن في فيتنبورغ

في أثناء عمليات التنقيب في منطقة الشبيقة، موقع البحث، تم العثور على بقايا غذائية عددها الإجمالي 24، وقد صنَّفها الباحثون باعتبارها منتجات مشابهة للخبز المفرود المُعَد بدون خميرة. وكانت هذه المنتجات تشبه بقوة الخبز المفرود المستخرج حديثًا من مواقع التنقيب الرومانية والخاصة بالعصر الحجري الحديث. وحتى يمكننا التعبير عن معنى الخبز المفرود الذي يقصده علم الآثار، يجب أن تفي الاكتشافات بمجموعة من المعايير التي تنطبق أيضًا على الاكتشافات القديمة للخبز المفرود5: ويشير هذا الأمر خاصةً إلى الخلايا الغازية الناتجة عن مزج الدقيق والماء في العجين التي يبلغ حجمها حتى 0.1 مم، والذي يؤدي تجمعها معًا في أثناء عملية العجن إلى تكبير البنية وإحداث تغيير في التركيب المجهري للعجين خلال عملية الخَبْز: تتشكل كتلة ذات ملمس نسيجي متشابك مكون من التجاويف المغلقة والمسام. وفي منطقة الشبيقة، أظهرت جميع الاكتشافات، التي يبلغ عددها 24، تركيبًا مجهريًّا نشويًّا ومصفوفة مسام غير منتظمة. ويتشابه أيضًا حجم التجاويف الذي يبلغ في المتوسط 0,15 مم مع اكتشافات الخبز المفرود الرومانية والخاصة بالعصر الحجري الحديث. وأظهر تحليل البقايا أن البشائر البرية لكل من القمح والجاودار والدخن والشوفان وربما الشعير، كانت قد طُحِنَت من أجل إعداد منتجات شبيهة بالخبز. ويشير الارتفاع الطفيف للبقايا إلى أن الدقيق كان معالَجًا دون إضافة خميرة. 6

يُعَدُّ الخبز المفرود اليومَ، والمشار إليه عادةً باسم الخبز العربي (بيتا)، هو الخبز الأكثر استهلاكًا في منطقة شرق البحر المتوسط، بما في ذلك اليونان. ومع ذلك، فإن مبادئ الخَبز للخُبز المفرود الحالي لا تمت بأي صلة بخبز الحضارة النطوفية المتداول آنذاك: ويُعزَى الفارق الكبير إلى تخمير دقيق القمح باستخدام الخميرة. وتتم عملية خَبز العجين المعد من دقيق القمح أو الحبة الكاملة في درجة حرارة مرتفعة تبلغ 400 – 600 ْ م، وذلك مقارنةً بدرجة حرارة نار الحطب في السابق. ويتنوع شكل وسُمك الخُبز تبعًا للعادات المحلية. في حالة العجين الرقيق للغاية والخبز في درجة حرارة مرتفعة، فإن التبخر المفاجئ للماء يؤدي إلى انتفاخ الخبز. وتصير القشرة الخارجية للخبز جافة، وينفخ بخار الماء رغيف الخبز، وهو ما يؤدي إلى إنتاج رغيف الخبز القابل للانشطار ويجعله مناسبًا بشكل مثالي للحشو أو اللف.

هل بلغت قصة الخبز المفرود نهايتها؟
بدأت المرحلة الأخيرة من تطوير الخبز المفرود بتحسين خواص عملية الخَبْز وجَوْدَةِ الخُبْز باستخدام التقنيات الحديثة للمواد الغذائية. ومن أجل الوصول إلى بعض المميزات، مثل القابلية الجيدة للتشكيل، والتماسك الكبير للعجينة، ودرجة التحميص المثالية، والاحتفاظ بطزاجته لمدة طويلة لصالح المستهلكين، وإكساب اللون المثالي، يستطيع الخبازون اليوم استخدام مجموعة إنزيمات مثل إنزيم ألفا أميلاز البكتيري الذي تنتجه شركة Mühlenchemie تحت اسم Alphamalt. ومن أجل مواجهة المطاحن ذات الجودة المتقلبة في الحبوب في الشرق الأوسط، تستطيع تقنيات المواد الغذائية في مجال تحسين الدقيق أن تساهم بشكل كبير في ثبات جودة الخبز. ومع ذلك، لا تُستخدَم هذه التقنيات بشكل دائم؛ نظرًا لأن الخبز المفرود يُعَد مادة غذائية رخيصة للغاية ومدعومًا جزئيًّا من جانب الحكومة في المنطقة العربية.

شكل: العصر الحجري الحديث في أوروبا منذ 7.500 عام قبل الميلاد، ومكان اكتشاف «أوتزي» في وادي أوتز بجبال الألب، متحف ميلفيلتن بمدينة فيتنبورج.

من المتوقع أن يتأثر تطوير الخبز العربي المفرود بقوة في المستقبل بالتقنيات الجديدة في مجالات توحيد معايير الدقيق وتحسين الدقيق وإثراء قيمته. ومثلما تعلَّم الإنسان قبل 14,000 عام زراعة الحبوب وفقًا لاحتياجاته، تساهم اليوم حلول تقنيات الدقيق في تلبية توقعات الطحانين والخبَّازين المستهلكين.

المصادر:
Arranz-Otaegui, Amaia/ Gonzalez Carretero, Lara/ Ramsey, Monica N./. Fuller, Dorian Q/ Richter, Tobias (2018): Archaeobotanical evidence reveals the origins of bread 14,400 years ago in northeastern Jordan, [online] http://www.pnas.org/content/115/31/7925 [22.8.2018].
Paetsch, Martin (2011): Die Geschichte des Mehls. Vom Mörser zur Industriemühle, in: Mühlenchemie GmbH & Co. KG (Hrsg.), flour art museum, Hamburg: Robert Wenzel Verlag, S. 322- 348.