«الأسواق في حالة مستمرة من التغير والارتياب، ويتم كسب المال عن طريق تجاوز ما هو واضح واللعب على ما هو غير متوقع.» - جورج سوروس
ناتاليا سكوراتوفيتش
مديرة المبيعات
بيكتوس تكنولوجي
إن القول المذكور أعلاه عن مستثمر يلعب بالمليارات في الأسواق المالية ينطبق كثيراً على أسواق الحبوب. لقد بدأ العام الجديد بالاضطراب الذي شهدته شركة لويس درايفوس Louis Dreyfus، شركة السلع الزراعية عالية المستوى، التي صرحت عن برنامجها في خفض التكاليف للتغلب على تدني الأرباح، وعن سياستها المتمثلة في «المراجعة المنهجية لسياسة التوظيف وزيادة الرواتب». وبالمثل، خسرت شركة CBH جروب الأسترالية، وهي أحد أكبر شركات تصدير الحبوب في العالم، مبلغ 119.3 مليون دولار في عام 2019. وعزت شركة CBH جروب هذه الخسائر إلى «الظروف العالمية والسياسية». شركة عملاقة أخرى، وهي شركة غلينكور Glencore، حيث تعين عليها اتخاذ قرارات مؤلمة بشكل تدريجي في حساباتها من أجل مشاكلها القانونية. وفي نهاية العام، شهدت شركة كارغيل Cargill انخفاضاً مفاجئاً في أرباحها لعام 2019. حيث قال ديفيد دبليو ماكلينان David W. MacLennan، الرئيس التنفيذي لشركة كارغيل، «لقد واجهنا بيئة عمل عالمية صعبة للغاية أدت إلى تباطؤ في الأرباح على مدار العام». نتيجة لذلك، انخفض الربح الصافي في الربع الرابع من 711 مليون دولار إلى 235 مليون دولار، بانخفاض نسبته 67% مقارنة بنفس الفترة من العام الذي سبقه. أما شركة بونغ Bunge، فقد قامت ببيع حصتها في مصنع الإيثانول الأمريكي بسبب النزاعات بشأن الوقود البيولوجي، بسبب التنازل على نطاق واسع لإدارة ترامب لإعفاء مصافي النفط من خلط الإيثانول بالبنزين. وفي الأرجنتين، علّقت شركة فيسنتين Vicentin، شركة فول الصويا العملاقة التي تأسست عام 1929، الكثير من نشاطاتها أثناء صراعها من أجل إعادة هيكلة ديونها بعد تخلفها عن التسديد في ديسمبر 2019. وكانت فيسينتين أكبر مصدّر لفول الصويا في الأرجنتين وعلامة تجارية رمزية لمشهد الحبوب في أمريكا الجنوبية.
تلخيصاً لما سبق، تنطبق هنا بالتأكيد مقولة تولستوي بأن جميع العائلات السعيدة تشبه بعضها البعض وكل عائلة تعيسة هي تعيسة على طريقتها. لأنه على الرغم من وجود الكثير من الأسباب المعقولة فيما يتعلق بتبخر الأرباح والهزات الشخصية، إلا أن أصل المشكلة لجميع ذلك يكمن وراء ستارة الظروف التجارية الصعبة. ففي الأوقات التي كان من الصعب فيها الحصول على المعلومات ولم تكن فيها الأسواق تتمتع بالشفافية، تميزت الشركات التجارية العملاقة بامتلاكها لأدوات مالية وقنوات تجارية راسخة. أما أسواق السلع التجارية في يومنا هذا، فهي تتصف بالوصول غير المحدود إلى المعلومات والشفافية وتزايد المنافسة فيها، مما يجعل الأرباح فيها أقل. من جانب آخر، أصبح مفتاح النجاح هو امتلاك الأصول التي تجلب الأموال النقدية في المجالات الاستراتيجية. إن تجارة الحبوب عبارة عن مجال بالغ الحدّة بالنسبة لرأس المال، وتتطلب استثمارات في التخزين والمرافق والموانئ والمواصلات والبنى التحتية. نتيجة لذلك، تضطر الشركات إلى إعادة الهيكلة لزيادة قوتها المالية ورفع درجات تصنيفها الاستثماري، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من النمو المالي الذي بدوره يسهل من التجارة. ويعتمد كل ذلك على بقاء الأفضل بالمعنى الثوري للكلمة كآلية انتخاب طبيعية.
قبل فترة قصيرة، قامت شركات مثل ADM، وبونغ، وكارغيل، ودرايفوس، ومؤخراً COFCO وغلينكور، بتوحيد إمكاناتها من أجل رقمنة سلسلة توريد السلع التجارية وأنظمة تجارة السلع. فلقد أعدت مبادرة البلوكتشين (blockchain) هذه، التي بدأتها أكبر الشركات الزراعية في العالم، من أجل اجراء الأبحاث على كفاءة سلسلة التوريد، بما فيها حلول لعمليات ما بعد بيع الحبوب والبذور الزيتية، والبلوكتشين، والذكاء الصناعي، ومن أجل تسهيل عمليات المعالجة لتصبح أكثر فعالية ودقة وشفافية.
تنتشر الأخبار بسرعة اليوم، وهناك طلب كبير على الأخبار من مختلف اللاعبين في السوق، وهناك عدد متزايد من وكالات الأنباء الصغيرة والكبيرة والمحللين الذين يسدون هذه الحاجة. إن توفير المعلومات شامل للغاية ومتغير الجودة والدقة. يمثل انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة مشكلة عالمية مهمة ومتزايدة. ويعتبر ذلك تحدٍ كبير للصحفيين وسبباً للذعر الدولي للحكومات والمؤسسات والأفراد.
بالعودة لموضوع التجارة، لا تزال تستخدم في كثير من الأحيان، في التجارة والتسويق، الصفقات الآجلة الخاصة بمجلس شيكاغو التجاري (CBOT) كوسيلة لإدارة المخاطر من أجل حماية الكميات المتراكمة من القمح والذرة، لكن لا يمكن لمعدل الأسعار الذي يكبر تدريجياً أن يحمي من جميع النتائج. في نفس الوقت، شجعت أسواق السلع الخامدة نسبياً بعض التجار الشباب الانتهازيين على إنشاء وحدات خدمات تجارية عالمية الهدف منها بيع الخدمات التجارية القابلة للتطبيق للمستخدمين الصناعيين الذين يفكرون في الاستعانة بشكل كامل بمصادر خارجية.
وبالمناسبة، يتحكم المزارعون اليوم بالتقلبات بشكل متزايد تدريجياً بواسطة الزراعة الحديثة، التي تعرف بتقنياتها النامية وتطبيقاتها الإنتاجية المبتكرة المستخدمة من أجل تقليل الآثار السيئة للأحوال الجوية إلى الحد الأدنى ورفع إنتاج المنتجات الزراعية إلى الحد الأقصى. يستفيد اليوم المزارعون الفاعلون من البذور الهجينة المبتكرة والأكثر مقاومة للظروف الجوية السيئة، بالإضافة إلى العديد من مدخلات الطاقة على شكل معدات وأنظمة ريّ متقدمة تكنولوجياً وأسمدة ومبيدات حشرية. وبما أنه في الآونة الأخيرة أصبح من الممكن أكثر فأكثر إنتاج محصول وفير في ظل ظروف جوية غير مثالية تماماً، تضاءلت أهمية الظروف الجوية كعامل مؤثر في إشعال المنافسة في السوق. وبتنا نشهد في آخر عشر سنوات زيادات كبيرة في الإنتاج في منطقة البحر الأسود، والبرازيل، والأرجنتين.
ومن بين آخر المستجدات، يجب علينا أن نلحظ أيضاً الزيادة في شهية الشركات الزراعية المحلية لتسويق حبوبها. فعلى سبيل المثال، يُظهر الميل السائد في السنوات القليلة الماضية في روسيا وأوكرانيا وكازاخستان أن شركات تصدير الحبوب المحلية مستمرة في النمو مقابل الشركات متعددة الجنسيات، التي تزيد من حجم تجارتها تدريجياً. بينما روسيا، التي تقع فيها ثالث أكبر مساحة قابلة للزراعة في العالم بواقع 123 مليون هكتار، لديها الفرصة لأن تصبح قوة زراعية خارقة. وفي أعقاب تطبيق العقوبات، أطلقت الحكومة الروسية برنامج «استبدال الواردات» الذي يدعم الحوافز الضريبية والائتمانية للاستثمارات الزراعية والغذائية، وحتى المنح الحكومية لبعض مشتريات المعدات الزراعية، والتنمية الزراعية.
ليس هناك أية حلول سريعة للتحديات التي ذكرتها أعلاه. لكن سوق الحبوب الحالي يوفر أيضاً فرصاً جديدة مربحة لهؤلاء الراغبين بالمخاطرة. وبحسب سوروس “إن القصور في إدراك [الأسواق واتجاهات الأسواق] هو حالة إنسانية، ولا يوجد ما يدعو للخجل في ارتكاب الأخطاء، لكن مايدعو للخجل حقاً هو الفشل في تصحيح الأخطاء”. وبالنظر إلى الاتجاهات والتطورات المستمرة، تنشأ فرص للتجار الباحثين عن تحديات كبيرة في بيئة أقل تقليدية وأكثر تحفيزاً في القرية العالمية التي تجمعنا اليوم. توفر أسواق السلع في يومنا هذا فرصاً في التدفقات التجارية المتقدمة والخدمات اللوجستية، وفي حماية السلع أو استخدام الموارد الحالية بشكل أكثر كفاءة وفعالية.