مقابلة: نامق كمال بارلاك
يؤدي تنوع مصادر القمح، والمخاوف المتعلقة بالجودة، وتقلبات السوق، وضغوط هوامش الربح إلى زيادة الحاجة في قطاع المطاحن إلى أدوات أكثر ذكاءً. ويشرح فابيان فاراغناك، الخبير المرموق في تقنيات واستراتيجيات المطاحن وصاحب خبرة ميدانية تمتد لنحو عشرين عام، كيف تُحوّل الرقمنة والذكاء الاصطناعي كل جانب من جوانب إنتاج الدقيق. وفي هذا الحوار الخاص، يشارك فاراغناك رؤيته لصناعة الدقيق، مؤكداً أن التفكير الاستراتيجي، والتنبؤ المستند إلى البيانات، والتكيف التكنولوجي هي مفاتيح البقاء في بيئة تزداد تعقيداً وتنافسية.
فابيان فاراغناك
استشاري صناعة المطاحن
وراء كل رغيف خبز على موائدنا يقف نظام عالمي معقد، تتوسطه صناعة مطاحن تمر بتحولات جذرية. وفي هذا الحوار الخاص مع مجلة الطحان، يستعرض فابيان فاراغناك ـ الذي امتدت رحلته من كونه طحاناً متمرّساً إلى مستشار استراتيجي في القطاع على مدار نحو 20 عامًا ـ ملامح التغيير في عالم معالجة الحبوب. ومن صعود التقنيات الرقمية إلى تزايد الاهتمام بجودة القمح، ومن الارتفاع السريع في الطلب على الدقيق في أفريقيا إلى الضغوط الناجمة عن تقلبات سلاسل الإمداد، يرسم فاراغناك صورة حيّة لتحولات القطاع في مختلف أبعاده.
يؤكد فاراغناك أن الصمود في أسواق الحبوب المضطربة اليوم يتطلب مطاحن أكثر ذكاءً ومرونة، إلى جانب طحانين أكفاء ومجهزين بالمهارات والمعرفة. وبفضل خبرته العميقة ورؤيته الواضحة، يرسم ملامح زمطحنة المستقبلس: قائمة على البيانات، ومترابطة رقمياً، ومندمجة استراتيجياً في سلسلة القيمة الغذائية العالمية.
وفيما يلي ملاحظات فاراغناك وتقييماته فيما يتعلق بماضي وحاضر ومستقبل المطاحن:
أكبر فكرة خاطئة حول االمطاحنب
فابيان، رحلتك من عامل مطاحن مُدرَّب إلى مستشار استراتيجي هي رائعة حقاً. تمتلك ما يقارب عقدين من الخبرة في المطاحن حول العالم. ما هو برأيك أكبر فكرة خاطئة لدى الجمهور عن صناعة المطاحن اليوم؟
هذا سؤال مهم جداً. برأيي، أكبر سوء فهم يكمن في أن معظم الناس لا يملكون أدنى فكرة عمّا تعنيه صناعة المطاحن. فعندما تذكر طحن الدقيق، يتبادر إلى أذهان الكثيرين فوراً صورة الطواحين الهوائية القديمة أو مطاحن الحجارة التقليدية. لكن في الحقيقة، الوعي منخفض للغاية بما تمتلكه صناعة المطاحن الحديثة اليوم من هيكل متطور وتقنيات متقدمة. وهذا أمر مؤسف حقاً، لأنها صناعة معقدة، عالية التقنية، ودائمة التطور. فهي تؤدي دوراً حاسماً في النظام الغذائي العالمي، من خلال ضمان الأمن الغذائي وإيصال الخبز إلى موائد الناس في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، تبقى هذه الصناعة إلى حد كبير غير مرئية في نظر الرأي العام.
موضوع آخر لا يقل أهمية هو الصورة السلبية التي يلاحق بها دقيق القمح، لا سيما في الاقتصادات المتقدمة. إذ يُنتقد الدقيق كثيراً في سياق الغلوتين، والكربوهيدرات، وبعض الاتجاهات الغذائية الحديثة. غير أن الحقيقة أن الدقيق يشكّل أحد الركائز الأساسية للنظام الغذائي العالمي. فالقمح على مستوى العالم يوفّر نحو 20% من إجمالي السعرات الحرارية، وما يقارب 20% من إجمالي البروتين المستهلك. وهذه نسبة بالغة الأهمية، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار صعوبة وارتفاع تكلفة الحصول على البروتين الحيواني أو النباتي في العديد من الأماكن.
في مناطق مثل شمال إفريقيا وآسيا الوسطى، قد تصل حصة القمح إلى نحو 40% من إجمالي البروتين المستهلك. وهذا يبرز بوضوح الأهمية الحيوية للدقيق في الأمن الغذائي والتغذية، خصوصاً في البيئات التي تفتقر إلى بدائل بروتينية كافية.
باختصار، فإن صناعة المطاحن قطاع حديث ولا غنى عنه، يرتبط بشكل مباشر بالنظام الغذائي العالمي. صحيح أن الدقيق قد لا يُعد الغذاء الأكثر غنى بالعناصر المغذية، لكنه ما زال حتى اليوم أحد أكثر مصادر الغذاء توافراً وأقلها تكلفة، وهو ما يستوجب تقديره ومنحه المكانة التي يستحقها.

خريطة القمح المتغيرة
بالنظر إلى مسيرتك المهنية، ما هي أهم التغييرات التي لاحظتها في صناعة المطاحن؟ كيف أثرت هذه التغييرات على نظرتك إلى هذه الصناعة؟
شهدت صناعة المطاحن على مدى العشرين عاما الماضية العديد من الاتجاهات الكبرى التي أسهمت في رسم ملامحها. في مقدمة هذه الاتجاهات تأتي عمليات الدمج على المستوى العالمي واحتدام المنافسة. فلم يعد هناك اليوم سوق دقيق لم يُطرق بعد أو لم يُكتشف. من أوروبا والولايات المتحدة إلى روسيا وتركيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، أصبحت صناعة الطحن في كل مكان شديدة التنافسية.
اتجاه مهم آخر هو تنويع المنتجات. فمع اشتداد المنافسة، بدأت المطاحن تبحث عن طرق لتمييز أنفسها. ففي الأسواق المتقدمة، يظهر هذا الاتجاه عبر إنتاج أنواع خاصة من الدقيق مثل الدقيق العضوي، ودقيق القمح الكامل، ودقيق بذور الأسلاف. أما في الاقتصادات النامية، حيث كان يسود في السابق نوع واحد من الدقيق فقط، فقد بدأنا نرى اليوم تنوعاً موجّهاً لاستخدامات مختلفة مثل الخبز، والمعجنات، والكرواسان. هذا التحول نابع من الحاجة إلى تلبية توقعات المستهلكين المتزايدة وفي الوقت نفسه خلق هوامش ربحية في بيئة شديدة التنافسية.
شهدنا على جانب الإمداد أيضاً تغيراً جذرياً في توريد القمح. ففي تسعينيات القرن الماضي، كان نحو 80% من صادرات القمح العالمية يأتي من خمسة بلدان فقط. أما اليوم، فقد أصبحت خريطة التصدير أكثر تنوعاً واتساعاً، وهو ما جلب معه مزيداً من التباين في الجودة والكميات المتاحة.
تلعب الظروف المناخية هنا دوراً محورياً. فعلى سبيل المثال، شهدت فرنسا في العام الماضي موسم حصاد يمكن وصفه بالكارثي من حيث الجودة، الأمر الذي حدّ بشكل كبير من فرص التصدير. هذا العام تبدو الصورة أفضل، لكن من موسم إلى آخر قد تحدث تقلبات هائلة بهذا الشكل. لم يعد من الواقعي أن يعتمد المطاحن على منشأ واحد للقمح طوال العام. بعض عملائي في إفريقيا اضطروا خلال الأشهر الاثني عشر الماضية إلى التنقل بين ثمانية بلدان منشأ مختلفة للقمح. وكل تغيير في المنشأ يعني إعادة ضبط شاملة لكل المعايير، من مخطط الطحن إلى الإضافات. فهي عملية بالغة التعقيد.
يجب أن نضيف إلى كل ذلك العوامل الجيوسياسية. فالنزاعات، والحواجز التجارية، والاختناقات اللوجستية في مناطق حيوية مثل قناة السويس أو خليج عدن، يمكن أن تؤثر مباشرة على توفر القمح وأسعاره.
اليوم، لم يعد على المطاحن مجرد تلبية طلبات السوق، بل عليهم أيضاً التكيف المستمر مع سلاسل الإمداد غير المتوقعة والتطورات العالمية. لم يعد كافياً أن تكون طحّاناً ماهراً فقط؛ بل أصبح من الضروري أيضاً أن تكون متنبئاً بالأحوال الجوية، واستراتيجياً مالياً، ومراقباً جيداً للجغرافيا السياسية.

ثلاثة أركان في المطاحن الحديثة
تتعاونون عن قرب مع مطاحن من جميع أنحاء العالم. ما هي المسائل أو الطلبات الأكثر شيوعاً التي تتلقونها؟ هل تلاحظ أي اتجاهات مشتركة في هذه المجالات؟
نعم، بالتأكيد. أحد أكثر الأسئلة التي يطرحها من يعمل في قطاع المطاحن عليّ بشكل متكرر يتعلق بجودة القمح: ما هي الجودة الحالية؟ كيف ستكون في الحصاد القادم؟ هل يجب الشراء من منشأ محدد أم من منشأ آخر؟ تقريباً في كل مقابلة أجريها، يظهر هذا الموضوع على الأجندة.
يركّز هذا الاهتمام المكثف على الجودة على مدى أهمية جودة القمح في بيئة اليوم التنافسية. لم يعد الحفاظ على جودة دقيق متسقة ومستقرة مجرد خيار، بل أصبح ضرورة ملحة. فإذا لم يتمكن الطحّان من الحفاظ على جودة عالية للدقيق، يتدخل المنافسون على الفور ليأخذوا حصته من السوق. وفي كل سوق أعمل فيه، بغض النظر عن المنطقة، تزداد أولوية الجودة يوماً بعد يوم.
أصبح من النادر أن تعمل أي مطحنة اليوم بدون مختبر مناسب أو نظام تحليلي متكامل. ففي الماضي، كان التحكم في الجودة يعتمد غالباً على المظهر فقط؛ حيث كانت المطاحن تنظر إلى الدقيق وتقول ببساطة: اأفتح قليلاًب أو اأغمق قليلاًب، ثم يطرحون المنتج في السوق. أما اليوم، فهذا لم يعد مقبولاً. إذ يجب أن تكون الجودة قابلة للقياس، وقابلة للتتبع، وتدار بدقة عالية.
عنصر آخر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجودة هو إمكانية التتبع. وبات هذا أمراً أساسياً، خاصة في الأسواق الناضجة، سواء للحصول على شهادات عضوية أو لضمان اتساق الجودة. سواء كان الهدف معرفة منشأ دفعة معينة من القمح أو إدارة أنظمة الجودة الداخلية، تتيح إمكانية التتبع للمطاحن متابعة أي نوع من القمح تم استخدامه في أي نوع دقيق، ومعرفة ما هي البارامترات التشغيلية المطبقة في كل مرحلة من مراحل المعالجة.
بالنتيجة، الجودة وإمكانية التتبع أمران يسيران جنباً إلى جنب. فلا يمكن تقديم جودة موثوقة دون معرفة دقيقة بما يحدث في سلسلة التوريد ر من توريد القمح وحتى عملية الطحن. ولهذا السبب أصبحت هاتان المسألتان أولوية مركزية للمطاحن حول العالم اليوم.
موضوع مهم آخر وهو كفاءة الطاقة. سواء كان الدافع تحقيق أهداف الاستدامة أو الحاجة المباشرة للسيطرة على استهلاك الطاقة وبالتالي التكاليف، أصبحوا الآن في المطاحن يراقبون الكفاءة التشغيلية لديهم بدقة أكبر من أي وقت مضى. تُسهم هذه المراقبة في تقليل الأثر البيئي وتحسين إدارة هوامش الربح. ويُعد هذا اتجاهًا عالمياً؛ فجميع المطاحن تتأثر بمشكلات الطاقة، سواء نتيجة الحرب في أوكرانيا أو البنية التحتية غير الكافية، فقد واجهت معظم المطاحن حول العالم مشاكل في الطاقة خلال السنوات الأخيرة. ولهذا، يولي مصنعو المعدات أهمية كبيرة لهذا الجانب. وباعتبارها صناعة تعتمد على الإنتاج الضخم، يتعين على المطاحن العمل بأعلى كفاءة ممكنة. وتساعد المعدات والتقنيات الحديثة في تحقيق ذلك؛ فالمطاحن الجديدة تستهلك طاقة أقل، ومع انتشار الحساسات ولوحات التحكم الذكية، يمكن للمطاحن متابعة استهلاك الطاقة بدقة وتحسينه.

صيغة لجودة دقيق ثابتة على الرغم من تنوع المواد الخام
تُصعّب تقلبات أسواق الحبوب العالمية وتنوع مصادر القمح الحفاظ على جودة ثابتة للدقيق. فكيف يُمكن للمطاحن ضمان جودة ثابتة رغم هذا التباين في جودة المواد الخام؟
على الرغم من تفاوت جودة القمح، فإن الخطوة الأولى للحفاظ على اتساق الدقيق هي امتلاك معدات تحليل دقيقة، لا سيما في مجال الريولوجيا. يجب قياس جودة المواد الخام الواردة بعمق. وبمجرد الحصول على هذه البيانات، يمكن البدء في ضبط العملية وفقاً لذلك. فعملية الطحن نفسها توفر مرونة كبيرة؛ إذ يمكن تعديل المخططات التشغيلية، وتحسين إعدادات الآلات، بما يؤثر مباشرة على جودة الدقيق النهائي.
تعد عملية مزج القمح (Blending) أداة حاسمة أيضاً. لكن لإجراء المزج بشكل فعّال، يجب أن تكون لدينا معرفة دقيقة بجودة كل منشأ من القمح، سواء في الصوامع أو المتاح في السوق. هذا يمكّننا من إجراء مزج أكثر دقة والحصول على منتج نهائي أكثر استقراراً.
كما أن استخدام الإضافات في الدقيق يمثل عاملاً مهماً. الأنزيمات، وحمض الأسكوربيك، وتقنيات الإضافات الأخرى، توفر أدوات لا غنى عنها لتعديل الأداء الوظيفي للدقيق بدقة. وتساعد هذه الإجراءات في تعويض أي قصور في جودة المواد الخام وضمان أن يلبي الدقيق توقعات العملاء.
لكن بعيداً عن الأدوات والتقنيات، فإن المعرفة والبيانات هي ما يحدث الفارق الحقيقي. يجب أن تمتلك المطاحن قاعدة بيانات قوية تشمل الأداء السابق، بالإضافة إلى الوصول إلى المعلومات الخارجية. وغالباً ما أقدّم دعماً لعملائي في هذا الجانب ر أساعدهم على تفسير البيانات، وتطبيق المعرفة المكتسبة، وتطوير تركيبات دقيق أو ضبط عمليات جديدة تتوافق مع ظروف القمح الحالية وطلبات السوق.
بالنتيجة، إن اتساق الجودة ينبع من الجمع بين الاستخدام الذكي للمعدات وخيارات العمليات، واتخاذ قرارات واعية مبنية على البيانات والخبرة.
النمو في قطاع الدقيق في أفريقيا
تصبح أفريقيا يوماً بعد يوم مركزاً للطلب المستقبلي على القمح ومنتجات المخبوزات. بناءً على خبرتك المباشرة في هذا السوق، كيف تُقيّم الوضع الحالي لقطاع المطاحن في أفريقيا؟ ما هي أهم الفرص والتحديات التي تواجه المطاحن في جميع أنحاء القارة؟
تشهد أفريقيا بالفعل صعوداً كبيراً. حتى الاتجاهات الديموغرافية وحدها تكشف ذلك؛ فالسكان في تزايد مستمر، ولا يُتوقع أن يبلغوا ذروتهم قريباً. وعند دمج هذا مع تسارع النمو الاقتصادي في العديد من المناطق، تصبح القارة بمثابة بيئة ديناميكية للغاية ومليئة بالفرص الواعدة.
يتميز قطاع المطاحن في إفريقيا بتنوع كبير. فهناك بعض اللاعبين الدوليين الكبار الذين لهم وجود طويل في السوق ر رغم أنهم ليسوا مهيمنين بعد، إلا أنهم قاموا باستثمارات كبيرة. إلى جانبهم، تظهر أيضاً شركات محلية قوية تتمتع بدعم مالي متين، وقادرة على إدارة عمليات متينة ومهنية.
لا تزال القارة في الوقت نفسه تحتضن عدداً كبيراً من الشركات الصغيرة. ومع ذلك، بدأت تظهر هنا أيضاً اتجاهات الدمج والتوحيد، وهو ما يعد مؤشراً على نضوج القطاع. فطاقة الطحن تتزايد بشكل واضح؛ وتشمل المشاريع المستمرة دخول لاعبين جدد إلى السوق، أو توسع الاستثمارات من قبل اللاعبين الحاليين، أو شراء المنافسين، أو التوسع إلى دول أخرى.
إن الطلب المتزايد على الدقيق والمخبوزات يمثل إحدى أكبر الفرص. فقد شهد استهلاك القمح في إفريقيا خلال العقد الماضي معدل نمو سنوي يبلغ نحو 2.5%، أي ما يعادل نحو 30% خلال عشرة أعوام، وهو معدل ملحوظ للغاية. بالإضافة إلى ذلك، هناك زيادة في تنوع الدقيق؛ ففي العديد من الدول التي كان يقتصر فيها الأمر سابقاً على نوع واحد فقط من الدقيق، أصبح هناك الآن ثلاثة أو أربعة أنواع أو أكثر، مما يعكس نضوج وتنوع تفضيلات المستهلكين.
اتجاه مهم آخر هو الاندماج الرأسي. فالكثير من الطحّانين يستثمرون حسب بلدهم في إنتاج المعكرونة، والبسكويت، والمخابز الصناعية. بل إن بعض كبار تجار الحبوب بدأوا الآن شراء مجموعات طحن في إفريقيا، وهو أمر كان نادر الحدوث في الماضي بسبب المخاطر الاقتصادية والسياسية. ومع تحسن بيئة الاستثمار في العديد من المناطق، بدأ عدد أكبر من اللاعبين إظهار وجودهم الفعلي على الأرض.
لكن لا تزال التحديات الجدية قائمة. ففي حين تتحسن الأوضاع الاقتصادية في بعض الدول، تظل الظروف صعبة في دول أخرى. وتشكل البيروقراطية، وتعقيد الإجراءات الإدارية، ونظم الضرائب غير الداعمة لتطوير الأعمال عقبات كبيرة.
أحد أهم التحديات هو اللوجستيات. فالنقص في البنية التحتية للطرق والموانئ والصوامع يبرز بشكل خاص. فقد استثمرت العديد من الدول في قدرات الطحن، كما تطورت شبكات التوزيع بالتجزئة ر وأصبح من الأسهل اليوم وصول الدقيق إلى القرى النائية مقارنة بالماضي. ومع ذلك، بالنظر إلى اعتماد القمح على الواردات، تظل لوجستيات الإدخال مشكلة كبيرة. فالكثير من الموانئ تفتقر إلى قدرة تفريغ كافية، مما يسبب ازدحاماً؛ وقد تضطر السفن أحياناً للانتظار أسبوعًا أو أسبوعين أو حتى ثلاثة أسابيع. والموانئ المزودة بمحطات خاصة للحبوب نادرة، وسرعات التفريغ منخفضة، وسعة الصوامع غير كافية. نتيجة لذلك، المطاحن بحاجة إلى أسطول مستمر من الشاحنات تعمل على مدار الساعة لنقل القمح رغم سوء الطرق. ومع استمرار النمو الاقتصادي، تصبح هذه المشكلة أكثر إلحاحاً. حيث أن هناك استثمارات قائمة، لكن للوصول إلى مستوى يتناسب مع إمكانات المنطقة، هناك حاجة إلى جهود أكبر ومنسقة بشكل أوسع.
التحول الرقمي في المطاحن
يكتسب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الذكية زخماً متزايداً في صناعة معالجة الحبوب. ما هي الفوائد الملموسة التي يمكن أن يتوقعها أصحاب المطاحن من تبني التحول الرقمي؟ هل عملاؤكم منفتحون على هذه الابتكارات، أم يفضلون الطرق التقليدية؟
إن هذا الموضوع لم يعد مهماً في قطاعنا فحسب، بل أصبح محورياً في جميع المجالات اليوم. فقد أصبحت الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحوارات اليومية للجمهور العام، وليس فقط بين المتخصصين. وأعتقد أن هذا يشكل الخطوة الحاسمة التالية في تطور قطاعنا.
ما الذي يمكن أن تتوقعه المطاحن التي تتبنى التقنيات الرقمية؟ أولاً وقبل كل شيء: الكفاءة. فكل جانب من جوانب العمليات، من التوريد إلى المعالجة، ومن مراقبة الجودة إلى اللوجستيات، يمكن تحسينه بالكامل. وقطاع المطاحن صناعة عالية الحجم لكن منخفضة هوامش الربح؛ مما يعني أن كل قرش مهم فيها، بل حتى زيادة 0.1% في الكفاءة يمكن أن يكون لها أثر كبير. كما أن هناك العديد من المتغيرات والمعدات التي تؤثر على الأداء، ومراقبتها وتحسينها يدوياً يمكن أن يتجاوز قدرة البشر.
هنا يأتي دور التقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي. فهي تقوم بتحليل البيانات المعقدة وربط جميع نقاط العملية التشغيلية، مما يكشف عن المجالات التي يمكن زيادة الكفاءة فيها أو تحسين الجودة. وهذا يمثل الفائدة الكبرى الأولى.
أما الفائدة الثانية فهي تتمثل في المرونة والقدرة على التكيف. مع تعدد منشأ القمح، وتغييرات المزج، وتنوع المنتجات، تحتاج المطاحن إلى الاستجابة بسرعة. تساعد الأدوات الرقمية على مراقبة وفهم المواد الخام والعمليات والمنتجات النهائية في الوقت الفعلي. وهذه السرعة حاسمة للحفاظ على الجودة والبقاء قادرة على المنافسة في سوق سريع التغير.
أما بالنسبة لنهج عملائي تجاه هذه التقنياتة فبصراحة، لا يزال الكثيرون يتصرفون بتردد. فهم على وعي بالنقاشات الجارية حول الموضوع، لكن التغيير ليس سهلاً، خاصة في الشركات التي تعمل بالأساليب نفسها على مدى أجيال. هذه الخبرة قيمة جداً؛ فالطحن في جوهره مهارة تعتمد على الإحساس والحدس تجاه المنتج. ومع ذلك، باستخدام الأدوات الحديثة، أصبح بالإمكان تحقيق نفس النتائج، بل أفضل، وبشكل أكثر اتساقاً وكفاءة. حيث أنه باستخدام الحساسات الدقيقة، والبيانات الصحيحة، والذكاء الاصطناعي الذي يساعدنا على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، فإن الإمكانات هائلة بالفعل.
في النهاية، تصبح المطاحن أكثر انفتاحاً على الابتكار عندما يدركون أن الأدوات الرقمية ليست بديلاً عن خبراتهم، بل وسيلة لدعمها وتعزيزها. ومع ذلك، لا يزال هناك طريق طويل لتطبيق هذا القبول على نطاق واسع في القطاع.
العوائق أمام التحول الرقمي والحلول
حسناً، ما هي أهم العقبات التي يواجهها أصحاب المطاحن عند تبني الحلول الرقمية؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟ وفي هذا السياق، كيف يدعم خبراء مثلك رحلة التحول هذه؟
إن أهم نقطة انطلاق في أي رحلة للتحول الرقمي هي البيانات ر خاصة جمع البيانات وجودتها. فلا يمكن الرقمنة بدون بيانات موثوقة. في العديد من المطاحن، تكون البيانات مبعثرة بين السجلات الورقية، وجداول إكسل، وقواعد بيانات مختلفة. والخطوة الأولى هي جمع هذه البيانات بطريقة مركزية ومنظمة، مع التأكد من أنها متسقة وآمنة وتتمتع بالعمق الكافي لماضيها.
هذا أمر حاسم، لأن الحلول الرقمية يجب أن تُصمَّم خصيصاً لكل مطحنة. فلا يوجد نموذج واحد يصلح للجميع. كل تطبيق يعتمد على بيانات المطحنة نفسها، وخبرتها، وبيئة عملها. لذلك، فإن وجود بيانات نظيفة وموحدة ليس ضرورياً فقط لتطبيق الحلول، بل كذلك لتطوير أدوات رقمية فعّالة ومصممة لتحقيق الغرض المطلوب منها.
عند اكتمال مركزية البيانات، تأتي الخطوة التالية وهي ضمان جودة البيانات. هل الحساسات الخاصة بنا دقيقة؟ هل طرق التقييم محدثة وموحدة؟ على سبيل المثال، عندما نتحدث عن أداء الخبز في الفرن، فإننا في الواقع نقيم جودة الخبز. لكن، كيف نحدد ما هو االخبز الجيدب؟ فبالنسبة لشخص قد يكون الخبز مخمّراً بشكل كافٍ، بينما يرى آخر أنه ليس كذلك. هذه الاختلافات الذاتية يمكن التخلص منها عبر توحد طرق التقييم. وأنا غالباً ما أقدم الدعم للمطاحن في تطبيق هذه المعايير من الناحية العملية لضمان الاتساق والجودة.
من المفاهيم الخاطئة الشائعة أيضاً، أن الرقمنة تتطلب استثمارات كبيرة وفورية. فليس من الضروري الاستثمار فوراً في الحساسات، أو قواعد البيانات، أو المعدات المتخصصة. يمكن البدء بشكل تدريجي ر باستخدام البيانات المخبرية الحالية، وسجلات الإنتاج، ومؤشرات الأداء للعمل على عدد قليل من المعايير فقط. وحتى مع البيانات الأساسية، يمكن البدء في تطوير أنظمة ذكية وأدوات رقمية تعمل على تحسين الكفاءة والجودة والأداء.
عندما تُنشأ النماذج الأولية والبدء في رؤية النتائج، يمكن عندها تحديد المجالات التي قد تتطلب إضافة حساسات أو ترقية المعدات لتحسين العملية. ومع ذلك، لا يشترط وجود استثمار كبير في البنية التحتية للبدء بالمطحنة الذكية؛ حيث يمكن الانطلاق باستخدام الأنظمة الحالية طالما أن بياناتنا نظيفة ومتسقة.
هنا يتجلى دوري كمستشار. أساعد المطاحن في تحديد نقطة البداية، وتحديد الأولويات، وكيفية مواءمة الأدوات الرقمية مع أهدافهم التشغيلية. ما هو التحدي الأساسي؟ هل تريدون زيادة الإنتاجية، تحسين الجودة، ضمان الاتساق، أم تعزيز إمكانية التتبع؟ بمجرد أن يتضح هذا، يمكننا تطوير خارطة طريق تدريجية باستخدام الأدوات الرقمية والاستراتيجيات الصحيحة.
مطحنة المستقبل: ذكية، مرنة ومستدامة
باعتبارك شخصاً يمزج بين العلم والأعمال والتقاليد، ما هي رؤيتك لفكرة امطحنة المستقبلب؟
في رأيي الشخصي، ستكون مطحنة المستقبل بمثابة مركز معالجة عالي الترابط يقع في قلب سلسلة القيمة الغذائية العالمية. وستلعت دوراً حيوياً بكونها حلقة وصل بين المواد الخام التي ينتجها قطاع الزراعة والطلب المتزايد على الغذاء حول العالم.
لن يقتصر دور مطحنة المستقبل على معالجة القمح فحسب؛ بل ستكون أداة استراتيجية لضمان استخدام الموارد مثل الماء والطاقة والحبوب بأقصى كفاءة واستدامة ممكنة. وستلعت دوراً محورياً في الغذاء العالمي ليس فقط بكفاءة، بل بمسؤولية أيضاً.
كما أنها ستكون متعددة الاستخدامات لأقصى درجة، قادرة على التكيف مع العديد من المتغيرات، بداية من تقلبات المناخ وصولاً إلى الابتكارات في علوم الغذاء واتجاهات المستهلكين. ستكون المرونة هي المفتاح؛ فالمطحنة ستكون مجهزة للحفاظ على الجودة والأداء أثناء التكيف مع التغيرات في المواد الخام وتطور طلبات السوق.
باختصار، ستكون مطحنة المستقبل نظاماً ذكياً، مرناً (قابلاً للتكيف) ويركز على الاستدامة؛ صُمم لتقديم منتجات غذائية مغذية، عالية الجودة ومبتكرة لعدد سكان العالم المتزايد. وستكون عند تقاطع التقليد والابتكار والعلم والأمن الغذائي.
الاتجاهات المتغيرة في الاستهلاك العالمي للدقيق
إلى جانب كل هذه التطورات التقنية والتحولات القطاعية، دعنا نلقي نظرة أيضاً على التغيرات في جانب المستهلك. ما هي اتجاهات المستهلكين الرئيسية التي تُشكل حالياً الاستهلاك العالمي للدقيق، وكيف يمكن للمطاحن التكيف مع هذه المتطلبات المتغيرة؟
هذا سؤال صعب لكنه مهم للغاية. من الأفضل شرحه عبر نوعين مختلفين من الأسواق. من جهة، هناك الأسواق الناضجة مثل أوروبا وأمريكا الشمالية. في هذه المناطق، يبرز اتجاهان رئيسيان يشكلان استهلاك الدقيق: زيادة الطلب على الاستدامة والسعي نحو التغذية الصحية. في الماضي، كانت المنتجات العضوية، الكاملة، ذات الملصقات النظيفة، الخالية من الغلوتين أو المصنوعة من بذور قديمة تُعد سوقاً متخصصة (زنيشس)، لكنها لم تعد كذلك اليوم. ففي بعض الدول، أصبحت هذه الفئات جزءاً من تيار السوق الرئيسي أو على الأقل نمت بما يكفي لتكتسب أهمية استراتيجية كبيرة.
تشير هذه الفئات إلى أسواق ذات قيمة مضافة عالية للمطاحن القادرة على إنتاجها بكفاءة. لتلبية هذه الطلبات، يحتاج منتجو الدقيق إلى خطوط إنتاج صغيرة ومرنة، تتميز بقدرة عالية على التتبع، وإمكانية الإنتاج على دفعات صغيرة، و القدرة على التكيف السريع مع تغييرات السوق. في الأسواق الناضجة، يظهر نموذجان متوازيان:
مصانع كبيرة للإنتاج العالي الحجم تنتج دقيقاً قياسياً بأسعار مناسبة وتستهدف قاعدة واسعة من المستهلكين.
مطاحن صغيرة الحجم ومرنة تلبي اتجاهات المستهلكين الخاصة (تتميز بعمليات إنتاج متقدمة وأنظمة صارمة للتحكم بالجودة).
بالانتقال إلى الأسواق النامية، تظهر صورة مختلفة. مع تأثير العولمة، بدأت العادات الغذائية تتقارب. انتشرت الوجبات السريعة على نطاق واسع، وراجت أنواع مختلفة من الخبز المسطح مثل البيتا. هذا التقارب في عادات الطعام بين المناطق يؤدي إلى زيادة استهلاك القمح تدريجياً.
يؤدي هذا الوضع، خاصة في بعض مناطق إفريقيا وآسيا، إلى توسع التصنيع والانتاج الكمي للطحين. في هذه المناطق، تسيطر على السوق عدد أقل من المصانع، لكنها أكبر وأكثر كفاءة. التركيز هنا على كفاءة التكلفة، والإنتاج كبير الحجم، والاستاق في الجودة. ولتحقيق ذلك، تُستثمر الموارد في العمليات واسعة النطاق وتحسين الإجراءات التشغيلية.
في هذه الأسواق سريعة النمو، غالباً ما تتبع المطاحن التي تسعى للبقاء في المنافسة استراتيجية التكامل الرأسي:
الخطوات الصاعدة: الاقتراب أكثر من مصدر الحبوب ر إقامة شراكات مباشرة مع المزارعين، تعزيز العلاقات مع التجار، أو (في الدول المستوردة) الدخول في عمليات دمج واستحواذ.
الخطوات النازلة: التوسع إلى المجالات ذات القيمة المضافة مثل إنتاج الخبز أو المعكرونة أو البسكويت. يتيح ذلك مزيداً من السيطرة على تطوير المنتجات والتسعير، كما يحسن هوامش الربح.
في هذا السياق، أصبح من الصعب على أي مطاحن مستقلة صغيرة أو متوسطة الحجم البقاء. يعتمد النجاح على تحديد موقع استراتيجي بناءً على نوع السوق:
المرونة والتخصص في الأسواق الناضجة
التوسع والتكامل في الأسواق النامية
إن أصحاب المطاحن الذين يفهمون هذه الاتجاهات المتغيرة ويتكيفون معها سيكونون في أفضل وضع لتحقيق النمو المستدام وذو الربحية العالية.