BLOG

جنوب أفريقيا ترتقي لتصبح قوة إقليمية في مجال الحبوب

17 صفر 14477 دقيقة للقراءة

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭ ‬بما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمناخ،‭ ‬تبرز‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬كقوة‭ ‬حبوب‭ ‬مقاومة‭ ‬تشكّل‭ ‬أحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬الأساسية‭ ‬للأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬التجارة‭ ‬الإقليمية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المتطورة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مطاحن‭ ‬الحبوب‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬ترتقي‭ ‬بالبلاد‭ ‬لتصبح‭ ‬المركز‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لمعالجة‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

تقع‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬القارة‭ ‬الأفريقية،‭ ‬وتبرز‭ ‬كأكثر‭ ‬الاقتصادات‭ ‬تنوعاً‭ ‬وتقدماً‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ويزيد‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬عن‭ ‬58‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬وبفضل‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬القوية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الزراعة‭ ‬والغذاء،‭ ‬تلعب‭ ‬البلاد‭ ‬دوراً‭ ‬حيوياً‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬الحبوب‭ ‬والتنمية‭ ‬الزراعية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المستمرة،‭ ‬مثل‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة،‭ ‬والاختناقات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة،‭ ‬يظل‭ ‬الهيكل‭ ‬الإنتاجي‭ ‬الزراعي‭ ‬المتطور‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬ر‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬قطاع‭ ‬الحبوب‭ ‬ر‭ ‬قوة‭ ‬صامدة‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الوطني‭ ‬والإقليمي‭.‬

يُعد‭ ‬قطاع‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬وأحدث‭ ‬القطاعات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القارة‭ ‬الأفريقية،‭ ‬حيث‭ ‬يشكّل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30%‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭ ‬الإجمالي‭. ‬يمتلك‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬سلسلة‭ ‬قيمة‭ ‬متطورة‭ ‬تشمل‭ ‬موردي‭ ‬المدخلات‭ ‬الزراعية،‭ ‬والمزارعين،‭ ‬ومديري‭ ‬الصوامع،‭ ‬والتجّار،‭ ‬وأصحاب‭ ‬مطاحن‭ ‬الحبوب،‭ ‬ومنتجي‭ ‬الأعلاف،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المخابز‭ ‬والمؤسسات‭ ‬البحثية‭. ‬كما‭ ‬تتجاوز‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحديثة‭ ‬لتخزين‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬20‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬يُدار‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬منها‭ ‬بواسطة‭ ‬التعاونيات‭ ‬الزراعية‭ ‬والمزارع‭ ‬التجارية‭.‬

وعلى‭ ‬عكس‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬أفريقيا،‭ ‬تعمل‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬وفق‭ ‬اقتصاد‭ ‬حبوب‭ ‬متحرر‭. ‬وتدخلات‭ ‬الدولة‭ ‬هي‭ ‬بحدها‭ ‬الأدنى؛‭ ‬فلا‭ ‬توجد‭ ‬مخزونات‭ ‬حبوب‭ ‬إلزامية‭ ‬مملوكة‭ ‬للدولة‭. ‬وتحدد‭ ‬ديناميكيات‭ ‬السوق‭ ‬المعروض‭ ‬والأسعار‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭.‬ 

الذرة‭: ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لقطاع‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا

تُعد‭ ‬الذرة‭ ‬أهم‭ ‬محصول‭ ‬حبوب‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬والأهمية‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬المصدر‭ ‬الغذائي‭ ‬الأساسي‭ ‬لجزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬بل‭ ‬تشكّل‭ ‬كذلك‭ ‬أحد‭ ‬المدخلات‭ ‬الحيوية‭ ‬لصناعة‭ ‬الأعلاف‭. ‬ويُنتج‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الذرة‭ ‬البيضاء،‭ ‬المستخدمة‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬للاستهلاك‭ ‬البشري،‭ ‬والذرة‭ ‬الصفراء،‭ ‬التي‭ ‬تُستغل‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الأعلاف‭ ‬لتربية‭ ‬الدواجن.


بحسب‭ ‬تقرير‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬الأمريكية‭ (‬USDA‭) ‬لشهر‭ ‬يوليو‭ ‬2025،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬إنتاج‭ ‬الذرة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬لموسم‭ ‬2025/26‭ (‬مايو‭ ‬2026‭ ‬ذ‭ ‬أبريل‭ ‬2027‭) ‬نحو‭ ‬16‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري،‭ ‬ما‭ ‬يُمثّل‭ ‬زيادة‭ ‬بنسبة‭ ‬4%‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬السابق،‭ ‬الذي‭ ‬قُدّر‭ ‬إنتاجه‭ ‬بمستوى‭ ‬15.4‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري‭. ‬وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬العام‭ ‬السابق،‭ ‬موسم‭ ‬2023/24،‭ ‬إلى‭ ‬انتعاش‭ ‬قوي‭ ‬بعد‭ ‬الجفاف‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬البلاد‭. ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إنتاج‭ ‬الذرة‭ ‬البيضاء‭ ‬إلى‭ ‬7.5‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري،‭ ‬فيما‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬إنتاج‭ ‬الذرة‭ ‬الصفراء‭ ‬7.85‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري‭ ‬مدعماً‭ ‬بالطلب‭ ‬العالمي‭ ‬المتزايد‭. ‬ويرى‭ ‬المراقبون‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الذرة‭ ‬الصفراء‭ ‬خياراً‭ ‬مدروساً،‭ ‬إذ‭ ‬تُستخدم‭ ‬الذرة‭ ‬البيضاء‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬للاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬المناطقي،‭ ‬بينما‭ ‬الذرة‭ ‬الصفراء‭ ‬احتمالات‭ ‬تصديرها‭ ‬أكبر‭.‬

من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬استهلاك‭ ‬الذرة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬لموسم‭ ‬2025/26‭ ‬إلى‭ ‬14.2‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬اتجاه‭ ‬زيادة‭ ‬معتدلة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي‭. ‬ويتوزع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وفق‭ ‬البنود‭ ‬التالية‭:‬

‭ ‬7.1‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري‭ ‬للاستخدام‭ ‬الغذائي‭ ‬والبذور‭ ‬والصناعي‭ (‬غالباً‭ ‬الذرة‭ ‬البيضاء‭ ‬للاستهلاك‭ ‬البشري‭)‬

‭ ‬7.1‭  ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري‭ ‬لأعلاف‭ ‬الحيوانات‭ (‬معظمها‭ ‬الذرة‭ ‬الصفراء‭)‬

رغم‭ ‬أن‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬لا‭ ‬يزالان‭ ‬يقيدان‭ ‬نمو‭ ‬الدخل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬استهلاك‭ ‬المنتجات‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭ ‬ومنخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬مثل‭ ‬دقيق‭ ‬الذرة‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬قوته‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬استقر‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الذرة‭ ‬المستخدمة‭ ‬للعلف‭ ‬بعد‭ ‬الزيادة‭ ‬المؤقتة‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬2023/24،‭ ‬نتيجة‭ ‬انتعاش‭ ‬قطاع‭ ‬تربية‭ ‬الدواجن‭ ‬وتأثر‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الأعلاف‭ ‬بالجفاف‭ ‬الذي‭ ‬زاد‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الغذائية‭ ‬للحيوانات‭.‬


النمو‭ ‬في‭ ‬صادرات‭ ‬الذرة‭ ‬

تستعد‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬لزيادة‭ ‬صادرات‭ ‬الذرة‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬2025/26‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشحنات‭ ‬ستصل‭ ‬إلى‭ ‬1.7‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬محققة‭ ‬زيادة‭ ‬بنسبة‭ ‬13%‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬السابق‭. ‬وتصبح‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية،‭ ‬مثل‭ ‬فيتنام‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وجهات‭ ‬مهمة‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬للذرة‭ ‬الصفراء‭. ‬ويتركز‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الصادرات‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحصاد‭ (‬يونيوذأكتوبر‭)‬،‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬موسم‭ ‬الحصاد‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الشمالي‭.‬

الفجوة‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬القمح‭ ‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬القمح‭ ‬هو‭ ‬ثاني‭ ‬أكثر‭ ‬الحبوب‭ ‬استهلاكاً‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬تواجه‭ ‬عجزاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭. ‬حيث‭ ‬تنتج‭ ‬الدولة‭ ‬سنوياً‭ ‬نحو‭ ‬1.8ذ2‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬القمح،‭ ‬بينما‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬3.8‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الاستيراد‭ ‬بكميات‭ ‬كبيرة‭ ‬أمرًا‭ ‬ضروريًا‭.‬

وفقاً‭ ‬لتقديرات‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬الأمريكية‭ (‬USDA‭)‬،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إنتاج‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬من‭ ‬القمح‭ ‬لموسم‭ ‬2025/26‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬2‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬زيادة‭ ‬بنسبة‭ ‬3%‭ ‬مقارنة‭ ‬بالموسم‭ ‬السابق‭. ‬وتعتمد‭ ‬البلاد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬زراعة‭ ‬القمح‭ ‬المطرية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المحصول‭ ‬شديد‭ ‬التأثر‭ ‬بتقلبات‭ ‬المناخ‭. ‬فقد‭ ‬أدت‭ ‬قلة‭ ‬الأمطار‭ ‬الشتوية‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬2023/24‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬الإنتاج‭.‬

يظل‭ ‬استهلاك‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬ثابتاً‭ ‬عند‭ ‬متوسط‭ ‬سنوي‭ ‬قدره‭ ‬نحو‭ ‬3.85‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬دون‭ ‬حدوث‭ ‬تقلبات‭ ‬كبيرة‭ ‬بمرور‭ ‬الأعوام‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬الاستهلاك‭:‬

‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬التحضر

‭ ‬التفضيل‭ ‬المتزايد‭ ‬للمنتجات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬القمح‭ ‬مثل‭ ‬الخبز،‭ ‬والمعكرونة،‭ ‬والبسكويت

‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬السكان،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بين‭ ‬الفئات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المنخفض‭ ‬والمتوسط

يستمر‭ ‬الخبز‭ ‬في‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بمكانته‭ ‬كمادة‭ ‬غذائية‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬البلاد؛‭ ‬حيث‭ ‬يستهلك‭ ‬السكان‭ ‬نحو‭ ‬2.4‭ ‬مليار‭ ‬رغيف‭ ‬سنوياً،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬40‭ ‬رغيفاً‭ ‬للفرد‭ ‬الواحد‭ ‬كل‭ ‬عام‭.‬

بسبب‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬المحدود،‭ ‬تغطي‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬نحو‭ ‬50%‭ ‬من‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬القمح‭ ‬عبر‭ ‬الاستيراد‭. ‬وتتوقع‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬الأمريكية‭ (‬USDA‭) ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬واردات‭ ‬القمح‭ ‬لموسم‭ ‬2025/26‭ ‬إلى‭ ‬2‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬بزيادة‭ ‬طفيفة‭ ‬عن‭ ‬مستوى‭ ‬العام‭ ‬السابق‭ ‬البالغ‭ ‬1.9‭ ‬مليون‭ ‬طن‭. ‬ويأتي‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الواردات‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬وبولندا‭ ‬وليتوانيا‭ ‬ولاتفيا‭ ‬والأرجنتين‭.‬


أصبحت‭ ‬واردات‭ ‬القمح‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬تدريجياً‭ ‬بسبب‭ ‬الأسعار‭ ‬التنافسية‭ ‬ومزايا‭ ‬الشحن‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬عاملاً‭ ‬محدداً‭ ‬رئيسياً‭. ‬عملت‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬تنويع‭ ‬قاعدة‭ ‬مورديها‭ ‬بهدف‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬خلال‭ ‬التقلبات‭ ‬العالمية‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي،‭ ‬تُعد‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬مركزاً‭ ‬لوجستياً‭ ‬ومركز‭ ‬معالجة‭ ‬للحبوب‭ ‬بالنسبة‭ ‬للدول‭ ‬المجاورة‭. ‬فهي‭ ‬تُعيد‭ ‬تصدير‭ ‬القمح‭ ‬المحلي‭ ‬والمستورد‭ ‬إلى‭ ‬زيمبابوي‭ ‬وزامبيا‭ ‬وبوتسوانا،‭ ‬مستفيدة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المزايا‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬الزراعية‭ ‬واللوجستية‭ ‬المتطورة.

قطاع‭ ‬المطاحن‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا

تمتلك‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬قطاعات‭ ‬مطاحن‭ ‬الحبوب‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الأفريقية‭. ‬ويُشكّل‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬أحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬الأساسية‭ ‬للأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والتجارة‭ ‬الإقليمية‭ ‬والتوظيف‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المتطورة‭ ‬والدعم‭ ‬المؤسسي،‭ ‬يواجه‭ ‬القطاع‭ ‬تحديات‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الطاقة،‭ ‬والاختناقات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬والمخاطر‭ ‬الزراعية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬المناخ‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تتيح‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬الحلول‭ ‬والتكيف‭ ‬السريع‭ ‬لجنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ريادتها‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الحبوب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭.‬

تتألف‭  ‬صناعة‭ ‬الدقيق‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬مصانع‭ ‬صناعية‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬المطاحن‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمصغرة‭. ‬ويبلغ‭ ‬عدد‭ ‬مطاحن‭ ‬الدقيق‭ ‬التجاري‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬مطحنة،‭ ‬تنتج‭ ‬نحو‭ ‬2.8‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الدقيق‭ ‬كل‭ ‬سنة‭. ‬وتقع‭ ‬هذه‭ ‬المنشآت‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬استراتيجية‭ ‬قرب‭ ‬مناطق‭ ‬إنتاج‭ ‬القمح‭ ‬مثل‭ ‬جوتنج،‭ ‬وكيب‭ ‬الغربية،‭ ‬وفري‭ ‬ستيت،‭ ‬ومبومالانغا،‭ ‬وكذلك‭ ‬قرب‭ ‬الأسواق‭ ‬الحضرية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬كفاءة‭ ‬في‭ ‬توريد‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬وتوزيع‭ ‬المنتجات‭.‬

تمتلك‭ ‬مصانع‭ ‬الدقيق‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬طاقات‭ ‬إنتاجية‭ ‬عالية،‭ ‬حيث‭ ‬يمكنها‭ ‬معالجة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬500‭ ‬و1,500‭ ‬طن‭ ‬متري‭ ‬من‭ ‬القمح‭ ‬كل‭ ‬يوم‭. ‬ويبلغ‭ ‬استهلاك‭ ‬الفرد‭ ‬السنوي‭ ‬من‭ ‬دقيق‭ ‬القمح‭ ‬نحو‭ ‬60ذ70‭ ‬كيلوغرام‭. ‬ويعزز‭ ‬هذا‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المرتفع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬التحضر،‭ ‬والقرب‭ ‬الثقافي‭ ‬من‭ ‬الخبز‭ ‬والمعكرونة،‭ ‬والدور‭ ‬البارز‭ ‬للمنتجات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغذائية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭.‬


وإلى‭ ‬جانب‭ ‬القمح،‭ ‬تُشكّل‭ ‬مطاحن‭ ‬الذرة‭ ‬أحد‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬للنظام‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬ويمتلك‭ ‬القطاع‭ ‬طاقة‭ ‬إنتاجية‭ ‬سنوية‭ ‬تقارب‭ ‬5‭ ‬ملايين‭ ‬طن‭ ‬متري،‭ ‬حيث‭ ‬تُستخدم‭ ‬الذرة‭ ‬البيضاء‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الدقيق‭ ‬المخصص‭ ‬للاستهلاك‭ ‬البشري،‭ ‬والذرة‭ ‬الصفراء‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬أعلاف‭ ‬الحيوانات‭. ‬ويبلغ‭ ‬معدل‭ ‬استغلال‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬نحو‭ ‬79.5%،‭ ‬مع‭ ‬إنتاج‭ ‬سنوي‭ ‬يقدّر‭ ‬بحوالي‭ ‬3.7‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري‭. ‬وتتصدر‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬Pioneer Foods،‭ ‬وPremier Foods،‭ ‬وTiger Brands،‭ ‬وPride Milling‭ ‬السوق‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تزداد‭ ‬قوة‭ ‬المطاحن‭ ‬الصغيرة،‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬قدرتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬إلى‭ ‬5‭ ‬طن‭ ‬في‭ ‬الساعة‭. ‬وتستفيد‭ ‬هذه‭ ‬المطاحن‭ ‬المصغرة‭ ‬من‭ ‬انخفاض‭ ‬تكاليف‭ ‬الاستثمار‭ ‬والطلب‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬المحلية،‭ ‬لتلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬الأسواق‭ ‬المتخصصة‭ ‬والإقليمية.

التجارة‭ ‬الإقليمية‭ ‬والتكامل

جنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬دقيق‭ ‬القمح‭ ‬ودقيق‭ ‬الذرة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬بوتسوانا‭ ‬وناميبيا‭ ‬وزيمبابوي،‭ ‬تُعد‭ ‬أحد‭ ‬الموردين‭ ‬الرئيسيين‭ ‬للدقيق‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وتعزز‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬القوية‭ ‬للنقل‭ ‬والتخزين‭ ‬والمعالجة‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬البلاد‭ ‬بصفتها‭ ‬مركز‭ ‬إقليمي‭ ‬لمعالجة‭ ‬الحبوب‭. ‬

أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬القطاع‭: ‬

‭ ‬التقلبات‭ ‬المناخية‭: ‬تهدد‭ ‬الأمطار‭ ‬غير‭ ‬المنتظمة‭ ‬وارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬إنتاج‭ ‬القمح‭ ‬والذرة‭.‬

‭ ‬ضغوط‭ ‬التكاليف‭: ‬تؤدي‭ ‬الزيادات‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الكهرباء‭ ‬والنقل‭ ‬والعمالة‭ ‬إلى‭ ‬تقلص‭ ‬هوامش‭ ‬الربح‭.‬

‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬استيراد‭ ‬القمح‭: ‬يتم‭ ‬تغطية‭ ‬نحو‭ ‬60%‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭ ‬عبر‭ ‬الواردات‭.‬

‭ ‬الاستدامة‭: ‬تواجه‭ ‬المطاحن‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬والنفايات‭ ‬والانبعاثات‭.‬

رغم‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬تظهر‭ ‬مجالات‭ ‬جديدة‭ ‬للنمو‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الدقيق‭. ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬المستهلكين‭ ‬المهتمين‭ ‬بالصحة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬الغلوتين‭ ‬والغنية‭ ‬بالقيمة‭ ‬الغذائية‭. ‬وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات‭ ‬مجالات‭ ‬معالجة‭ ‬الحبوب‭ ‬البديلة‭ ‬مثل‭ ‬الأرز،‭ ‬والدخن،‭ ‬والذرة‭ ‬الصفراء‭. ‬وتوفّر‭ ‬عادات‭ ‬التغذية‭ ‬المتنوعة‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬فرصة‭ ‬مهمة‭ ‬لجنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬لتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منتجات‭ ‬مبتكرة‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭.‬


مقالات في فئة ملف البلد