كاليستوس إفوخو
مدير عام مؤسسة الزراعة والغذاء الكينية (AFA)
في حوار له مع مجلة الطحّان، كشف المدير العام لمؤسسة الزراعة والغذاء الكينية، كاليستوس إفوخو، عن الاستراتيجية الجريئة التي تتبعها بلاده للتقليل من استيراد الحبوب، وزيادة الإنتاج المحلي، والتحول إلى مركز تصدير صاعد في شرق أفريقيا. من الزراعة المقاومة للتغير المناخي إلى اللوجستيات الحديثة وبنية مطاحن متطورة، تسير كينيا في مسار تحوّل شامل يؤسسلقطاع حبوب أكثر استقلالية وقابلية للمنافسة على الصعيد العالمي.
في مؤتمر المجلس الدولي للحبوب (IGC) الذي أقيم في لندن، أجرينا حواراً خاصاً مع المدير العام لمؤسسة الزراعة والغذاء الكينية (Agriculture and Food Authority - AFA)، كاليستوس إفوخو. إن AFA هي مؤسسة حكومية تابعة لوزارة الزراعة والثروة الحيوانية في كينيا، وتتولى مهمة تطوير وتعزيز وتنظيم قطاع المنتجات الزراعية في البلاد.
في هذا الحوار الخاص، يشرح إفوخو تفاصيل الجهود التي تبذلها كينيا لتعزيز سلاسل قيمة الحبوب، من خلال تطبيقات الزراعة المقاومة لتغير المناخ، وتوسيع بنية الري التحتية، ونشر التقنيات الرقمية في الزراعة، والاستثمارات في مراحل ما بعد الحصاد. كما يستعرض التغيرات التي يشهدها قطاع المطاحن في البلاد، ويقيّم إمكانات كينيا لتصبح مركزاً إقليمياً لتجارة الحبوب ومعالجتها.

سيد إفوخو، كيف توازن كينيا بين تشجيع الإنتاج المحلي لمنتجات استراتيجية مثل القمح والذرة وبين الحاجة المستمرة للاستيراد؟
تتبع كينيا سياسة متوازنة تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي للحبوب الاستراتيجية مثل القمح والذرة، في الوقت الذي تسعى فيه لتلبية الحاجة المستمرة للواردات. توسّع الحكومة الاستثمارات في مشاريع الري بهدف التخفيف من تأثيرات تغير المناخ وضمان استقرار الإنتاج الزراعي. كما تُطبق برامج دعم الأسمدة وحوافز أخرى لخفض تكاليف الإنتاج لدى المزارعين وتعزيز قدرتهم التنافسية.
ومع كل هذه الجهود، لا تزال الواردات ضرورية لسد فجوة العرض. وفي هذا السياق، تسمح الحكومة، تحت توجيه السياسات ودعمها، باستيراد الحبوب عبر القطاع الخاص للحفاظ على استقرار السوق وضمان الأمن الغذائي. كما تستمر الاستثمارات في تطوير مناطق إنتاج بديلة بهدف تقليل الاعتماد المستقبلي على الواردات.

هل يمكنكم مشاركة البيانات الحالية حول أداء إنتاج الحبوب في كينيا؟ ما هو الوضع الراهن، وخاصةً فيما يتعلق بإنتاج الذرة والقمح والذرة الرفيعة؟
الذرة: المنتج الغذائي الأساسي في كينيا
لا تزال الذرة تُعدّ الغذاء الأساسي الأكثر استهلاكاً في كينيا، إلا أن البيانات الحديثة تشير إلى تراجع ملحوظ في كلٍّ من الإنتاج والاستيراد. فقد انخفضت مساحة زراعة الذرة من 2.55 مليون هكتار في عام 2023 إلى 2.41 مليون هكتار في عام 2024، مسجّلة تراجعاُ بنسبة 5.42%. ونتيجة لذلك، تراجع إنتاج الذرة من 4.38 مليون طن إلى 4.03 مليون طن. ويُعزى هذا الانخفاض إلى تقلّص المساحات المزروعة وتراجع معدلات الإنتاجية.
من جهة أخرى، شهدت واردات الذرة أيضاً انخفاضاً كبيراً. ففي حين استوردت كينيا 890 ألف طن من الذرة في عام 2022، انخفض هذا الرقم إلى 300 ألف طن فقط في عام 2024، أي بانخفاض نسبته 67%. ويعكس هذا الاتجاه تزايد الاعتماد على الإنتاج المحلي، رغم تقلص المساحات المزروعة.

القمح: منتج الحبوب الهام الثاني في كينيا
يُعد القمح ثاني أكثر الحبوب استهلاكاً في كينيا بعد الذرة. وقد تراجع استيراد القمح من 1.99 مليون طن في عام 2023 إلى 1.81 مليون طن في عام 2024، ما يشير إلى انخفاض تدريجي في الاعتماد على الواردات. وعلى الرغم من أن كينيا لا تزال تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، فإن هذا التراجع يعكس بداية ظهور أثر السياسات التي تهدف إلى تعزيز سلاسل التوريد المحلية.
الذرة الرفيعة: زيادة الإنتاج المحلي
أما في إنتاج الذرة الرفيعية (السرغوم)، فقد لوحظ ارتفاع واضح في الإنتاج. إذ ارتفع إنتاج الذرة الرفيعة من 201,523 طن في عام 2023 إلى 241,309 طن في عام 2024. هذا الارتفاع يعكس تنامي القبول بالذرة الرفيعة كمنتج بديل في سلاسل الإمداد الغذائية. وفي الفترة ذاتها، تراجع استيراد الذرة الرفيعة من 76,289 طن إلى 7,061 طن فقط، في انخفاض حاد يؤكد أن كينيا باتت تقترب من تحقيق مستوى أعلى من الاكتفاء الذاتي في إنتاج هذا المحصول.

ما هي التحديات الرئيسية التي يواجهها المزارعون الكينيون في تحسين إنتاجية الحبوب؟ ما الدعم الذي تقدمونه للتغلب على هذه التحديات؟
يواجه المزارعون الكينيون مجموعة من التحديات البنيوية في سعيهم لزيادة إنتاجية الحبوب. وتتمثل أبرز هذه التحديات في ارتفاع تكاليف المدخلات، وتغير المناخ، وعدم انتظام هطول الأمطار، وضعف قنوات التسويق، والخسائر ما بعد الحصاد، إلى جانب تدهور خصوبة التربة. كما تشكل الآفات الزراعية والأمراض النباتية تهديداً خطيراً للإنتاج.
في مواجهة هذه التحديات، تقدم مؤسسة الزراعة والغذاء (AFA) حزمة من آليات الدعم. فنحن نشجع على التوسع في استخدام البذور المقاومة للجفاف والصديقة للبيئة، ونقدّم تدريباً للمزارعين حول ممارسات الزراعة الجيدة. كما نعمل على تسهيل وصولهم إلى الأسواق من خلال مراكز تجميع المحاصيل، ونسعى إلى تقليل الخسائر ما بعد الحصاد من خلال تطوير البنية التحتية للتخزين واستخدام أنظمة التتبع الرقمي. هذا النهج المتكامل لا يسهم فقط في رفع كفاءة المزارعين، بل يعزّز أيضاً من استدامة القطاع الزراعي في كينيا.

ما هو التقدم الذي تم تحقيقه في الحد من اعتماد كينيا على واردات الحبوب - وخاصة القمح والذرة؟
تتخذ كينيا خطوات ملموسة وحثيثة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل اعتمادها على واردات الحبوب، ولا سيما في القمح والذرة. فمن خلال الاستثمارات المتزايدة في البنية التحتية للري، يجري توسيع المناطق الزراعية وتقليل الاعتماد على الأمطار، ما يسهم في تحقيق استقرار أكبر في الإنتاج. وفي الوقت نفسه، تعمل الحكومة على تعزيز احتياطيات الحبوب الاستراتيجية، وتوفير المدخلات الأساسية مثل البذور والأسمدة بأسعار مناسبة للمزارعين. كما تُسهم الشراكات مع المؤسسات البحثية والجهات الدولية في نشر بذور عالية الإنتاجية، وتقنيات زراعية صديقة للمناخ، وحلول متطورة لمرحلة ما بعد الحصاد.
وقد بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارها، حيث سُجّل انخفاض واضح في واردات الذرة والذرة الرفيعة. ورغم أنه لا يُتوقع حدوث تغيير كبير في الرسوم الجمركية على الاستيراد في المدى القريب، فإن كينيا مستمرة في مراجعة سياساتها التجارية في إطار كل من مجموعة شرق أفريقيا (EAC) والسوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA).

كيف تتعاون كينيا مع الشركاء الدوليين والتكتلات التجارية الإقليمية لتحسين تجارة الحبوب والخدمات اللوجستية؟
تعمل كينيا بشكل نشط على تطوير تجارة الحبوب والخدمات اللوجستية المرتبطة بها من خلال شراكات دولية وتعاون وثيق مع التكتلات التجارية الإقليمية. ففي إطار السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA) ومجموعة شرق أفريقيا (EAC)، تُبذل جهود حثيثة لتوحيد المعايير التجارية وتبسيط إجراءات عبور الحدود، إلى جانب تقليص الحواجز غير الجمركية وتسهيل المعاملات الورقية. ويتم تعزيز الترابط الإقليمي من خلال مشاريع بنية تحتية كبرى مثل ممر لابسيت (LAPSSET)، إلى جانب إنشاء نقاط عبور حدودية موحّدة (One-Stop Border Posts - OSBP)، ما يسهم في تسهيل حركة البضائع بين الدول المجاورة. كما تسعى كينيا، في إطار أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)، إلى توسيع استراتيجيتها التجارية على مستوى القارة، بهدف لعب دور أكثر فاعلية في تجارة الحبوب على الصعيد الأفريقي.
كينيا على طريق التحول في قطاع المطاحن
هل يمكنكم تقديم معلومات عن الوضع الحالي لقطاع المطاحن في كينيا؟ هل هناك أي مبادرات جارية لتحديث البنية التحتية للمطاحن وزيادة طاقتها؟
يتميّز قطاع المطاحن في كينيا بكونه هيكلاً متعدد المستويات يتطور تحت قيادة القطاع الخاص، ويلعب دوراً محورياً في نظام الأمن الغذائي الوطني. ويُتخذ حالياً عدد من الخطوات الهامة لتحديث هذا القطاع وزيادة طاقته الإنتاجية. فالحكومة تشجع على التحديث التكنولوجي من خلال إعفاءات ضريبية على القيمة المضافة عند استيراد معدات المطاحن، كما تعمل على تعزيز القدرات التقنية للعاملين عبر برامج تدريب متخصصة، وتدعم التزام المطاحن بمعايير الجودة. وبالإضافة إلى ذلك، توفّر المناطق الاقتصادية الخاصة حوافز مالية وبنية تحتية محسّنة لتشجيع الاستثمارات في مجال الطحن، بما ينعكس إيجاباً على كفاءة الإنتاج والمزايا اللوجستية. ومن خلال شراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص، تسعى كينيا إلى بناء هيكل طحن أكثر تنافسية واستدامة، قادر على تلبية الطلب المحلي وتعزيز فرص التصدير.

حسناً، ما هي الاتجاهات البارزة في استهلاك الدقيق في كينيا؟
تشهد أنماط استهلاك الدقيق في كينيا تحوّلاً ملحوظاً، مدفوعة بتغيرات في تفضيلات التغذية، والسياسات التنظيمية، والاتجاهات الاستهلاكية الجديدة.
السيطرة على سوق دقيق الذرة
يُعد دقيق الذرة المادة الغذائية الأساسية لمعظم العائلات في كينيا، خصوصاً في المناطق الريفية، ويُعتبر أكثر أنواع الدقيق استهلاكاً على مستوى البلاد. وفي إطار سياسات الأمن الغذائي والتغذية الوطنية، يُلزم القانون بتدعيم دقيق الذرة بعناصر غذائية أساسية.
استهلاك دقيق القمح قوي في المدن
يتمتع دقيق القمح بحصة سوقية كبيرة، لا سيما في مراكز المدن والمناطق الحضرية المحيطة بها. ويرتفع الطلب على دقيق القمح نظراً لاعتماد السكان على الخبز، والـشباتي، وغيرها من المنتجات القائمة على القمح ضمن النظام الغذائي اليومي. كما يعزز التحضر وتغير أنماط الحياة هذا الاتجاه بشكل ملحوظ.
يتزايد الاهتمام بالدقيق المركب
في الآونة الأخيرة، بدأت تزداد الاهتمامات بأنواع الدقيق المركب التي تدمج الذرة مع محاصيل بديلة مثل الذرة الرفيعة والكسافا. تتميز هذه المنتجات بقيمتها الغذائية العالية، وأسعارها المعقولة، وقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية المحلية. ومع ذلك، لا يزال استهلاك الدقيق المركب محدوداً ولم ينتشر بعد بين شريحة واسعة من المستهلكين.
باختصار، بينما يستمر استهلاك الدقيق في كينيا بتشكيله عبر العادات التقليدية، تظهر في الوقت نفسه توجهات جديدة تركز على الصحة، وسهولة الوصول، والاستدامة.
كينيا تستعد لتكون قاعد الحبوب في شرق أفريقيا
ما رأيكم بإمكانية أن تصبح كينيا مركزاً إقليمياً لتجارة الحبوب ومعالجتها في شرق أفريقيا؟ ما هي الخطوات الرئيسية اللازمة لتحقيق ذلك؟
على الرغم من كون كينيا دولة مستوردة للحبوب، إلا أنها تمتلك إمكانات كبيرة لتصبح مركزاً إقليمياً لتجارة الحبوب ومعالجتها في شرق أفريقيا. من بين العوامل الرئيسية التي تدعم ذلك الأراضي الزراعية الخصبة التي لم تُستغل بشكل كامل بعد، ونظام التكنولوجيا الزراعية المتطور، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، بالإضافة إلى المشاريع اللوجستية الكبرى مثل ميناء مومباسا وممر لابسيت (LAPSSET). ومن خلال الاستثمارات في هذه المجالات وتعميم ممارسات الزراعة الحديثة، يمكن لكينيا أن تعزز قدرتها الإنتاجية وتلعب دوراً محورياً في تجارة الحبوب الإقليمية.
في الختام، هل هناك رسالة ترغبون في توجيهها إلى أصحاب المصلحة العالميين في قطاع الحبوب؟
إن كينيا بلد منفتح على الاستثمار، حيث نقدم فرصاً كبيرة في جميع مراحل سلسلة قيمة الحبوب، بدءاً من البذور وحتى الحصاد، مروراً بالمكننة، والمعالجة، والخدمات اللوجستية، وصولاً إلى الابتكار الرقمي وأنظمة الغذاء المقاومة لتغير المناخ. إن مستقبل قطاع الحبوب في كينيا يرتكز على التحول الرقمي، والقدرة على التكيف مع التغير المناخي، والتركيز على التصدير. وأود التأكيد على استعدادنا للتعاون في مجالات مثل إنترنت الأشياء (IoT)، والتقنية الحيوية، ومرافق المعالجة، وأنظمة الغذاء المستدامة، مع دعوة المستثمرين الدوليين للعمل معنا جنباً إلى جنب.