ناقش منتجو الحبوب والتجار وخبراء اللوجستيات مستقبل تجارة الحبوب في منطقة البحر الأسود، في ظل تصاعد المنافسة في السوق، واختناقات سلاسل الإمداد، واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وذلك خلال مؤتمرسBBS Grain 2025 ذ مؤتمر الحبوب للبحر الأسود والبلقان الذي عُقد في إسطنبول.
في الثاني من يونيو، استضافت إسطنبول مؤتمر BBS Grain 2025 الذي تناول مستقبل قطاع الحبوب والبذور الزيتية في مناطق البحر الأسود، البلقان، والبحر الأبيض المتوسط. وقد شارك في الفعالية، التي كانت مجلة الطحّان شريكها الإعلامي، أكثر من 300 ممثل من منتجي الحبوب، والتجار، وأصحاب المطاحن، وخبراء اللوجستيات والنقل البحري، إلى جانب صناع السياسات. حيث شملت أجندة المؤتمر مناقشة ظروف المنافسة في السوق العالمية للحبوب، وإمكانات الإنتاج والتصدير في منطقتي البحر الأسود والبلقان، وآفاق تجارة البذور الزيتية، بالإضافة إلى المخاطر التي تؤثر على نقل الحبوب والاختناقات اللوجستية.

الوضع الحالي في سوق حبوب البحر الأسود
في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، قدّم خبراء من بلغاريا، رومانيا، المجر، ومنصة S&P Global Platts تقييمات لافتة حول سوق حبوب البحر الأسود. حيث أفاد المدير التنفيذي لشركة Grainstore، ستويان فاليف، أن بلغاريا تتوقع أداءً قوياً في إنتاج القمح والشعير والكانولا خلال موسم 2025/2026. وأشار إلى أن بلغاريا، التي انضمت هذا العام إلى منطقة شنغن وتستعد للانضمام إلى منطقة اليورو في عام 2026، قد قلّصت من مساحات زراعة الذرة لكنها زادت من زراعة دوار الشمس. كما تعمل البلاد على استعادة حصتها في سوق القمح في كل من إيطاليا وإسبانيا.
أكّد أدريان دوبرىتا من شركة RWA Raiffeisen Agro على القدرات اللوجستية لرومانيا، مشيراً إلى أن البلاد تمكّنت من مواصلة تصدير الحبوب رغم موجات الجفاف، بفضل ميناء كونستانتسا وممر نهر الدانوب. ومن المتوقع أن يصل إنتاج القمح في رومانيا إلى 10.7 مليون طن، وإنتاج الذرة إلى 12 مليون طن في عام 2025. كما تعزز رومانيا دورها كمركز لوجستي محوري لصادرات الحبوب الأوكرانية.
أما زسولت هورفاث من شركة CML Hungary Kft.، فقد أشار إلى أن المجر حققت في عام 2024 ثاني أعلى غلة قمح في القرن الأخير. لكنه أوضح أن النتائج في الذرة كانت دون المستوى المطلوب، مما يدفع المنتجين إلى التوجّه نحو محاصيل أكثر مقاومة، مثل دوار الشمس. ومن المتوقع أن تصل المساحة المزروعة بالقمح الشتوي في 2025 إلى 945 ألف هكتار.

تأثير البحر الأسود على التسعير العالمي
قالت فيفيان إيروانيا من S&P Global Platts في تحليلها لسوق الحبوب العالمية إن موسم القمح 2024/2025 مر بهوامش ضيقة بسبب ارتفاع أسعار البحر الأسود، ولذلك كان القمح الأوروبي في بعض الأحيان أكثر تنافسية من القمح الروسي. وكانت القيود المؤقتة على الاستيراد وتنظيم الحصص التي فرضتها تركيا من بين العوامل التي أثرت على أسعار المنطقة. وأشارت إيروانيا إلى أن مؤشر الأسعار الجديد زMilling Wheat Markerس الذي أطلقته Platts في يونيو 2025 للقمح في منطقة البحر الأسود، سيوفر تسعيراً أكثر شفافية.
قالت إيروانيا إن الذرة الأمريكية تمتلك ميزة تنافسية قوية في أسواق الاتحاد الأوروبي، بينما تتجه ذرة البحر الأسود في الغالب نحو تركيا. وأشارت إلى أن التسعير في الفترة المقبلة سيتشكل وفق السياسات الجمركية للاتحاد الأوروبي تجاه الحبوب الأوكرانية، وقوة المنافسة من الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وديناميكيات الزراعة الإقليمية.
تم في الجلسة تسليط الضوء أيضاً على تزايد الطلب على الحبوب من الصين والشرق الأوسط باتجاه صربيا وبلغاريا ورومانيا. وقد بدأت ثاني أكبر شركة صينية مستوردة للذرة تجارة مباشرة مع صربيا من خلال إنشاء منشآت جديدة في بلغاريا. وفي الوقت نفسه، تتسارع أنشطة استئجار أو شراء الأراضي في منطقة البلقان من قبل شركات من الشرق الأوسط والصين.

البحث عن توازن جديد في توريد الحبوب
في الجلسة الثانية، تم تناول استراتيجيات التوريد للدول الكبيرة المستوردة مثل مصر وتركيا وتونس. قال عمرو سيام من مؤسسة باشاير للأعلاف إن مصر ستستورد 13 مليون طن من القمح في موسم 2025/2026، مما يحافظ على موقعها كأكبر مستورد للقمح في العالم. وتعمل البلاد على زيادة كفاءة الإنتاج المحلي، وتحقيق توفير بنسبة 25% في الري، وأن تصبح مورداً للطحين لدول مثل السودان واليمن والصومال.
شارك إبراهيم ديميراياك من شركة برايم تريدينغ توقعات تركيا لإنتاج القمح البالغ 18.5 مليون طن واستيراد القمح الذي يتراوح بين 8 إلى 10 ملايين طن. وأوضح أن انخفاض إنتاج الشعير بنسبة 10% قد يؤدي إلى حاجة استيرادية تبلغ 2 مليون طن. ومن المتوقع أن يظل إنتاج الذرة ثابتاً، إلا أن الحاجة إلى الاستيراد ستستمر بسبب انخفاض مستويات المخزون وتطبيق نظام الحصص. وأكد ديميراياك أن تكاليف التمويل التي وصلت إلى مستوى 52% في تركيا تحد من قرارات الاحتفاظ بالمخزون والشراء.
قال مهدي زرزيري من Les Grands Moulins de Tunis إن سوق الحبوب في تونس يخضع لتنظيم الدولة، حيث يتم استيراد الجزء الأكبر من القمح والشعير والذرة. وأضاف أن مستوردي القطاع الخاص يواجهون عوائق مثل الرقابة الصارمة على الأسعار، محدودية الوصول إلى الأدوات المالية، ومعايير جودة الشعير.

عدم اليقين وضغط الأسعار في زيوت البذور الزيتية
في الجلسة الثالثة، تم التركيز على منتجات عباد الشمس وسوق الزيوت المعالجة. ذكر برسلاف رايكوف من شركة Eleen Marine Commodities أن جزءاً كبيراً من صادرات بذور الزيوت من البحر الأسود يدعم قطاع الوقود الحيوي، لكنه أشار إلى تراجع الربحية في هذا المجال. وأوضح أن سياسات التصدير الروسية ستكون حاسمة في السوق، وأن التصدير العدواني بأسعار منخفضة قد يزيد من صعوبات القطاع.
أشار إيفان بودلوزني من شركة روساجرو إلى وجود عجز هيكلي في إمدادات بذور عباد الشمس في روسيا. ومن المتوقع أن تتجاوز قدرة العصر في البلاد 24 مليون طن بحلول عام 2031، بينما من المتوقع ألا تزيد إمدادات البذور بنفس المعدل.
قال فيسل كايا من شركة Sunseedman إن أسعار بذور عباد الشمس قد تتراوح بين 500 و550 دولار للطن الواحد في الموسم المقبل، بينما قد تكون أسعار زيت دوار الشمس الخام بين 1,000 و1,100 دولار للطن الواحد. لكنه شدد على أن المخاطر الجيوسياسية مثل الحرب الروسية الأوكرانية، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، واضطرابات النقل في البحر الأحمر ستستمر في التأثير على الأسعار.

نقل الحبوب في ظل العقوبات
في الجلسة الأخيرة، تم تناول مخاطر اللوجستيات والتأمين في منطقة البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط الشرقي. قال إنغين كوجاك من جمعية وسطاء السفن الأتراك إن الطلب على الشحن ظل ضعيفاً رغم عودة تركيا إلى الاستيراد في القمح، مشيراً إلى أن قِدم الأسطول في المنطقة وفائض السعة يضغطان على أسعار الشحن. كما تم التأكيد على أن سوق الأجرة حساس جدًا للتطورات الجيوسياسية.
قال يافور فيلتشيف من شركة ShipPossible إن أقساط تأمين الحرب قد ارتفعت، وأن الحصول على تغطية التأمين للرحلات إلى المناطق الخاضعة للعقوبات أصبح أكثر صعوبة مع الوقت. وحذر من أن عدم الامتثال للعقوبات قد يؤدي إلى تأخيرات كبيرة، واستبعاد من التغطية التأمينية، أو مشكلات قانونية.