في ظل تغيّر بيئة التجارة العالمية، يعيد قطاع الدقيق تموضعه. يتناول هذا التحليل الشامل آراء ألكسندر كارافايتسيف من المجلس الدولي للحبوب IGC، والدكتور إرين غونهان أولوسوي رئيس الرابطة الدولية للمطاحن العاملة IAOM أوراسيا، والمحلّل الاستراتيجي فابيان فاراغناك، مستعرضاً أسباب الانكماش في موسم 2024/25، ويلقي الضوء على التعافي المتوقع في موسم 2025/26. وتتناول الملف الرئيسي لهذا الشهر بشكل معمّق موضوعات مثل زيادة استهلاك الدقيق في أفريقيا، ودور تركيا في الصادرات العالمية، وتغير مصادر توريد القمح، إضافةً إلى الأهمية المتزايدة لتتبع المنتجات وكفاءة الطاقة.
يعطي سوق القمح والدقيق العالمي إشارات تعافي بعد عام صعب. فقد اتصف موسم 2024/25 بانقطاعات في التوريد، وتحوّل مراكز الطلب، وتباين السياسات التجارية. ومع ذلك، تشير المؤشرات الأولية لموسم 2025/26 إلى عودة النمو وتغير الاتجاه في المناطق الرئيسة.
في مقال له لصالح مجلة الطحان، يسلط ألكسندر كارافايتسيف، كبير الاقتصاديين في المجلس الدولي للحبوب (IGC)، الضوء على الإطار المتغير للتجارة العالمية للدقيق. ووفقاً لكارافايتسيف، شهد موسم 2024/25 تراجع صادرات دقيق القمح إلى 16 مليون طن (ما يعادل القمح)، مسجّلة انخفاضاً بنسبة 6% على أساس سنوي. وقد أسهم في هذا التراجع انخفاض الطلب في العراق، وضعف المشتريات من الأمريكيتين ومن إفريقيا جنوب الصحراء، بالإضافة إلى محدودية قدرات التصدير التركية. ومع ذلك، تبدو التوقعات لموسم 2025/26 أكثر تفاؤلاً، حيث يشير كارافايتسيف إلى أنّ االتقديرات الأولية تشير إلى تعافٍ قوي، مع توقع وصول حجم التجارة إلى مستوى 17.5 مليون طن (ما يعادل القمح)، وهو أعلى مستوى منذ تسع سنوات إذا تحقق ذلك.ب
قوة تركيا في تصدير الدقيق
إرين غونهان أولوسوي،
في ظل هذه الديناميات العالمية، تواصل تركيا الحفاظ على موقعها المركزي في تجارة الدقيق الدولية. وفي تقييمه لمجلة الطحان، قدّم الدكتور إرين غونهان أولوسوي، رئيس الرابطة الدولية للمطاحن العاملة IAOM أوراسيا، لمحة عن تطور تجارة الدقيق العالمية خلال العقدين الماضيين وأداء تركيا في هذا المجال. وقال أولوسوي: اعند النظر إلى تجارة الدقيق العالمية، ارتفعت الصادرات العالمية من حوالي 9 ملايين طن في 2005 إلى 14.3 مليون طن في 2023، وسُجّل عام 2024 انخفاض طفيف ليصل إلى مستوى 14 مليون طن. أما تركيا، فقد زادت صادراتها من 1.9 مليون طن في 2005 إلى 3.6 مليون طن في 2023، واختتمت عام 2024 بصادرات بلغت 3 ملايين طن. ومنذ عام 2013، تحافظ تركيا على ريادتها في صادرات الدقيق العالمية بشكل متواصل، حيث تمتلك حصة تتراوح بين 21 و23% من السوق العالمي، ما يعني أنّ 1 من كل 4 عبوات دقيق مُصدّرة عالمياً تحمل توقيع تركيا.ب
وفقاً للمعلومات التي قدّمها أولوسوي، أنهت تركيا عام 2024 بصادرات دقيق بلغت 3 مليون و60 ألف طن محققةً 1.16 مليار دولار من العائدات. وتبلغ القدرة الإنتاجية السنوية لتركيا في قطاع الدقيق نحو 32 مليون طن، ويتم إنتاج 11 مليون طن لتلبية الطلب المحلي والخارجي. وفي حين يبلغ متوسط معدل استغلال القدرة الإنتاجية في مطاحن الدقيق عالمياً نحو 65%، يصل هذا المعدل في تركيا إلى حوالي 49%، ما يشير إلى وجود طاقة فائضة في القطاع. وبالحديث عن استغلال القدرة الإنتاجية، أوضح الدكتور إرين غونهان أولوسوي، رئيس الرابطة الدولية للمطاحن العاملة IAOM أوراسيا: ايشهد استهلاك الدقيق في السوق المحلي زيادة ثابتة تتماشى مع معدل نمو السكان. وتواصل بعض الشركات في قطاعنا الاستثمار في رفع قدراتها الإنتاجية. هذا الأمر شائع بشكل خاص بين الشركات التي تسعى للاستفادة من اقتصاديات الحجم، والحصول على ميزة تنافسية، والقضاء على أوجه عدم الكفاءة.ب

شارك أولوسوي توقعاته بشأن إنتاج القمح في تركيا لهذا الموسم، مشيراً إلى أنّ الموسم الحالي أكثر جفافاً مقارنة بالموسمين السابقين. وأضاف: السنا في مرحلة تعيش أسوأ سيناريو محتمل للقمح. نتوقع محصولاً يبلغ نحو 18 مليون طن. ورغم تأثير الجفاف هذا الموسم، فإن جودة القمح أعلى بكثير مقارنة بالسنوات السابقة. ولا يزال هدفنا الحفاظ على ريادتنا العالمية في صادرات الدقيق، ونحتفظ هذا العام بهدف تصدير يصل إلى مستوى 3 ملايين طن. كما أن قنوات الاستيراد مفتوحة، ولا نتوقع أي نقص في الإمدادات.ب
رموز جديدة في المطاحن
بعيداً عن الإحصاءات، يمر قطاع المطاحن العالمي بتحوّل هيكلي. وفي تصريح له لمجلة الطحان، أشار فابيان فاراغناك، المستشار في صناعة المطاحن والذي يمتلك خبرة دولية تقارب العشرين عاماً، إلى تعقيد القطاع وعملية تحديثه، قائلاً: اأكبر سوء فهم قائم هو أنّ الناس لا يزالون عند سماع كلمة \مطحنة] يتخيلون طاحونة هوائية لطيفة في أذهانهم. في الواقع، المطاحن اليوم هي منشآت عالية التقنية ومتخصصة للغاية، تلعب دوراً محورياً في سلامة الغذاء والتغذية العالمية.ب

تتشكل خريطة الطحن العالمية بفعل عوامل مثل زيادة السكان، والتحضر، وتغير أنماط التغذية. ففي الوقت الراهن، يُعالَج نحو 570 مليون طن من القمح سنوياً في أكثر من 12 ألف مطحنة صناعية حول العالم، وهو ما يتطلب قدرات كبيرة على المستويين الفني والبشري. ويستعرض فابيان فاراغناك ثلاث تحديات رئيسية تواجه المطاحن وهي:
تنويع مصادر توريد القمح
الأهمية المحورية للجودة وإمكانية التتبع
الحاجة الملحة لكفاءة الطاقة
تشير التقلبات المتزايدة إلى أنّ امتلاك الطحّان للمهارات التقنية وحدها لم يعد كافياً. ويؤكد فاراغناك على هذه النقطة قائلاً: اأصبح على المطاحن الآن أن يكونوا خبراء أرصاد جوية، ومحللين جيوسياسيين، ومهندسي سلسلة توريد. لم يعد يكفي مجرد معرفة كيفية طحن القمح فحسب.»
استهلاك الدقيق في أفريقيا وآسيا في ازدياد
يتفق كل من كارافايتسيف وفاراغناك على نقطة واحدة: أفريقيا تستعد لتكون المحرّك الكبير القادم لنمو التجارة العالمية للدقيق. وعلى الرغم من تراجع واردات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى 3.1 ملايين طن خلال موسم 2024/25، فإن هذا الرقم لا يزال أعلى بكثير من متوسط السنوات الخمس الماضية.
تُظهر البيانات هذا الاتجاه بوضوح: فأفريقيا تستهلك سنوياً 265 مليون طن من المنتجات القائمة على الدقيق، ويعمل في القارة 5,870 مطحنة صناعية، ويشهد القطاع نمواً سنوياً بنسبة 2.3%. ويشير فاراغناك إلى أنّ ااستهلاك القمح في إفريقيا ارتفع بنسبة 30% خلال العقد الماضي. كما أن تنوع الدقيق يتوسع بسرعة، وتتطور تفضيلات المستهلكين، وهناك زخماً واضحاً في الاستثمارات المتعلقة بالطحن على مستوى القارة.ب

أما في جنوب شرق آسيا، يلفت الانتباه التحوّل من الأرز نحو المنتجات المخبوزة القائمة على القمح. إذ تستهلك المنطقة اليوم 31 مليون طن من الدقيق سنوياً، ويبلغ معدل النمو السنوي 2.1%، مما يعكس تأثير التحضر واعتماد العادات الغذائية الغربية.
من ناحية أخرى، تشهد الأسواق الناضجة مثل أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية نمواً أبطأ يتراوح بين 0.3% و0.7%. وفي هذه المناطق، أصبح التركيز منصبّاً على الكفاءة، والاستدامة، والمنتجات المبتكرة ذات القيمة المضافة، بدلاً من زيادة حجم الإنتاج فقط.
لن يتحدد سوق الدقيق العالمي في موسم 2025/26 بمجرد توازن العرض والطلب. فالعوامل مثل السياسات التجارية، والقيود اللوجستية، وبيئة الاستثمار، ومرونة التوريد، جميعها تحدد كيف ستتنافس المطاحنن، وكيف سيستمرون في السوق، وكيف سينمون. وتشير تحليلات البيانات التي أجراها كارافايتسيف، ورؤية القطاع التي قدمها أولوسوي، وتقييمات فاراغناك التشغيلية الميدانية، جميعها إلى حقيقة واحدة: لم تعد تجارة الدقيق العالمية تقتصر على شحن أطنان من المنتجات فحسب، بل أصبحت تتعلق بالبقاء تحت الضغط، والتكيف، والحفاظ على تقدم دائم في هذه اللعبة بالغة التعقيد.