قال المتحدثون في منتدى الحبوب والبقول العالمي 2026 في دبي إن سوق موسم 2025/26 يتمتع بإمدادات مريحة مع تعافٍ في التجارة، لكنهم حذروا من أن وفرة المعروض ستُصعِّد المنافسة، ما ينقل المعركة الحقيقية إلى مستوى التنفيذ في ظل مخاطر الشحن والمسارات، والصدمات السياسية، وتقلب الطلب.
عُقد منتدى الحبوب والبقول العالمي 2026 في دبي خلال الفترة 26-28 يناير، وجمع مشاركين من مختلف حلقات سلسلة إمداد الحبوب والبقول والبذور الزيتية لمناقشة آفاق الأسواق، وتدفقات التجارة، والخدمات اللوجستية، وإدارة المخاطر. ونظّمه اتحاد مصدّري ومنتجي الحبوب الروسي، واستقطب أكثر من 1,100 مندوب من أكثر من 50 دولة، من بينهم تجار ومصدّرون ومُعالِجون وشركات لوجستية ومقدمو خدمات مالية وخدمية.
صُمم البرنامج ليعكس خطوط التصدع الحالية في السوق. إذ افتتح اليوم الأول بقمة تجارة الزيوت والبذور الزيتية، تلتها جلسات «اليوم الصفري» التي ركزت على ديناميكيات تسعير البحر الأسود والمكوّن اللوجستي في تجارة الحبوب، في إشارة إلى أن الشحن والمسارات ومخاطر التنفيذ ما تزال عناصر محورية في التنافسية. ثم انتقل يوم المنتدى الرئيسي إلى الأمن الغذائي والتكنولوجيا، وآفاق سوق الحبوب العالمي، والأدوات المتداولة في البورصات وإدارة المخاطر، وأخيراً استراتيجيات البقول، جامعاً أصوات القطاع العام والجهات التجارية حول مجموعة الأسئلة نفسها: كيف يتطور العرض والطلب، وكيف تُسعَّر المخاطر، وما الاستراتيجيات القادرة على استدامة التدفقات التجارية في بيئة أكثر تعقيداً.

خريطة طريق صادرات الحبوب الروسية
في الكلمة الرئيسية، شددت وزيرة الزراعة الروسية أوكسانا لوت على دور روسيا في الإمدادات العالمية من الحبوب والبذور الزيتية، وقدّمت الصادرات باعتبارها جزءاً من أجندة أوسع للأمن الغذائي. وقالت لوت إن روسيا صدّرت 50 مليون طن من الحبوب في عام 2025، منها 41 مليون طن من القمح، مع توجّه 78% من صادرات القمح إلى إفريقيا والشرق الأوسط. كما سلطت الضوء على البقول بوصفها قطاعاً سريع النمو، مشيرة إلى حصاد قياسي بلغ 8 ملايين طن من البقول في 2025 وصادرات بنحو 3 ملايين طن.
وبالنظر إلى المستقبل، توقعت لوت أن تبلغ صادرات الحبوب 55 مليون طن في 2026، مدعومة بمحصول متوقع يقارب 140 مليون طن. وفي إطار الاستراتيجية الوطنية لتطوير مجمع الحبوب، قالت إن المستهدف هو الوصول بالإنتاج إلى 170 مليون طن بحلول 2030، مع إمكانية ارتفاع الصادرات إلى 80 مليون طن. ورأت لوت أن المرحلة التالية ينبغي أن تتجاوز تدفقات التجارة نحو العمل المشترك في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتعليم والبنية التحتية لرفع الكفاءة وخفض التكاليف، مع تأكيدها مجدداً أن روسيا تهدف إلى البقاء مورّداً موثوقاً رغم اضطرابات الأسواق والجغرافيا السياسية.
الميزانية المتوازنة لتركيا
في الجلسة العامة حول التكنولوجيا والأمن الغذائي، قال أحمد غُلدال، المدير العام لهيئة الحبوب التركية (TMO)، إن المعروض العالمي من الحبوب توسّع بشكل حاد خلال العقدين الماضيين، لكنه حذر من أن المنظومة ما تزال هشة هيكلياً مع تحوّل الصدمات المناخية والمخاطر الجيوسياسية والاضطرابات اللوجستية إلى «الوضع الطبيعي الجديد». وأشار إلى أن إنتاج الحبوب العالمي، الذي كان عند نحو ملياري طن في 2007/08، يُتوقع أن يتجاوز 3 مليارات طن لأول مرة في 2025/26.
وبالانتقال إلى تركيا، قال غُلدال إن إجمالي إنتاج الحبوب تجاوز 42 مليون طن في 2023، وإن البلاد تستطيع في الظروف الطبيعية تغطية الاستهلاك المحلي من القمح والشعير. لكنه أضاف أن خسائر الغلة الناجمة عن المناخ خلال الموسمين الماضيين زادت الحاجة إلى الواردات. وقال إن أولوية TMO هي حماية أمن الإمدادات واستقرار السوق عبر بناء مخزونات بصورة رشيدة واستباقية. كما أشار غُلدال إلى نظام المعالجة الداخلية في تركيا، الذي تُحوَّل بموجبه واردات القمح والذرة إلى منتجات ذات قيمة مضافة تُصدَّر إلى أكثر من 160 دولة، لافتاً إلى مكانة تركيا كأكبر مُصدّر دقيق في العالم وثاني أكبر مُصدّر مكرونة. وأضاف أن سعة التخزين المرخّص تجاوزت 14 مليون طن، ما يعزز التدفقات التجارية ويخفض التكاليف اللوجستية.

مخزونات الحبوب تبدو «مريحة»، لكن مخاطر الصدمات مستمرة
قال أوليغ كوبيـاكوف، مدير مكتب الاتصال التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) لدى الاتحاد الروسي، إن أسواق الحبوب العالمية تدخل موسم 2025/26 مع هوامش أمان «مريحة» في الإمدادات، لكنه حذر من أن مخاطر الأمن الغذائي باتت تُدفع بدرجة أقل بنقص التوافر المطلق، وبدرجة أكبر بالنزاعات والصدمات المناخية والضغوط الاقتصادية التي تعطل الواردات والقدرة على تحمّل الكلفة. وأضاف أن عدد سكان العالم ارتفع من 8.1 مليارات نسمة في 2023 إلى 8.2 مليارات في 2024، بينما انخفض عدد من يعانون نقص التغذية من 730 مليوناً إلى 673 مليوناً، مع توقعات FAO بوصول العدد إلى 512 مليوناً بحلول 2030.
وسلط كوبيـاكوف الضوء على الكلفة الاقتصادية للصدمات، مستشهداً بتقديرات FAO التي تفيد بأن الكوارث تسببت في خسائر اقتصادية زراعية بنحو 3.26 تريليون دولار خلال 1991-2023، أي بمتوسط يقارب 99 مليار دولار سنوياً، وكانت الحبوب هي الأكثر تضرراً من حيث حجم الخسائر بواقع 4.6 مليارات طن. واعتبر أن التحول الرقمي يمكن أن ينقل الأنظمة من الاستجابة التفاعلية للأزمات إلى الوقاية الاستباقية من المخاطر، لكنه يتطلب بيئة تمكينية مناسبة.
وعلى صعيد الميزانية، قال إن توقعات FAO تشير إلى إنتاج عالمي قياسي من الحبوب يبلغ 3,003 ملايين طن في 2025/26، في حين يُتوقع أن يصل الاستهلاك العالمي إلى 2,928 مليون طن، بزيادة 59.2 مليون طن (2.1%) على أساس سنوي. كما يُتوقع أن تبلغ المخزونات العالمية الختامية من الحبوب 925.5 مليون طن في 2026، مع نسبة مخزون إلى استخدام عند 29.8% وغطاء «احتياطي» يعادل 4.6 أشهر من الاستهلاك العالمي؛ فيما يُتوقع أن تبلغ نسبة مخزونات المصدّرين إلى الاختفاء 22.3%، وهو أعلى مستوى منذ أوائل التسعينيات. وأضاف أن تجارة الحبوب العالمية في 2025/26 يُتوقع أن تصل إلى 500.6 مليون طن، بزيادة 15.9 مليون طن (3.3%) عن 2024/25، مع قيادة القمح للتعافي مع استئناف باكستان وتركيا الشراء في ظل استقرار الأسعار ووفرة الإمدادات.
مرونة تقودها التكنولوجيا عبر سلسلة قيمة الحبوب
قال علي راشد علي الغافري، مدير بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في عُمان، إن الأمن الغذائي يُصمَّم بشكل متزايد عبر التكنولوجيا أكثر من تأمينه بالإنتاج وحده، مضيفاً أن ساحة المعركة الحاسمة انتقلت إلى «الصوامع والمختبرات ومراكز البيانات» بقدر ما هي في المزارع. وشدد على أنه في سوق توفر فيه الحبوب أكثر من 50% من السعرات الحرارية عالمياً، وتتجاوز فيه تجارة الحبوب العالمية 2.8 مليار طن سنوياً، تواجه الدول المعتمدة على الاستيراد مخاطر إمداد أعلى، وتحتاج إلى مرونة قائمة على التكنولوجيا مدمجة في كامل سلسلة القيمة - من الموانئ والتخزين إلى الفحص والتتبع وتكامل الخدمات اللوجستية.
وقال الغافري إن خفض الفاقد يمثل أحد أسرع المسارات لتعزيز الأمن الغذائي، مستشهداً بتقديرات تفيد بأن ما يصل إلى 30% من الغذاء يُفقد عالمياً، وأن سلاسل الإمداد المُمكّنة بالتكنولوجيا يمكن أن تخفض فاقد ما بعد الحصاد بنسبة 15-25%. كما أشار إلى شركة مطاحن عُمان مثالاً على مكاسب قابلة للقياس من الأتمتة وكفاءة الطاقة والمياه، واصفاً التكنولوجيا بأنها أداة يمكن أن تحقق المرونة والأداء التشغيلي معاً.
صناعة الطحن في المغرب
وصف بلال حجوّي، المدير العام للمكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL) في المغرب، صناعة الطحن في المغرب بأنها «حلقة مركزية» في الأمن الغذائي الوطني - فهي لا تضطلع فقط بتوفير الدقيق، بل أيضاً باستقرار الأسواق وتأمين المخزونات الاستراتيجية ودعم الاستقرار الاجتماعي والغذائي. وقال إن الحبوب تمثل نحو 75% من الأراضي الصالحة للزراعة في المغرب وحوالي 20% من الناتج المحلي الزراعي، بينما تُقدَّر القدرة الإنتاجية الوطنية بنحو 10 ملايين طن مقارنة بمتوسط واردات سنوية يتجاوز 9 ملايين طن. وفي هذا السياق، وصف حجوّي الطحن بأنه أصل استراتيجي، مشيراً إلى أن المغرب يضم 137 وحدة طحن صناعية نشطة بطاقة طحن سنوية تبلغ 10.5 ملايين طن، وأن القمح اللين يمثل نحو 85% من النشاط. وقال إن أجندة تنافسية القطاع باتت ترتبط بشكل متزايد بالطحن المتقدم والرقمنة الصناعية والاستدامة - مع إبراز تكامل أنظمة MES/ERP، وحساسات إنترنت الأشياء، والأتمتة للتحكم اللحظي والتتبع من طرف إلى طرف، إلى جانب استثمارات كفاءة الطاقة وسلامة الغذاء.

انتعاش مرتقب لتجارة القمح العالمية
في جلسة الفرص والتحديات في سوق الحبوب العالمي، قال إيغور بافنسكي، رئيس قسم التسويق في Rusagrotrans، إن موسم القمح 2025/26 يتشكل بوصفه عاماً أكثر نشاطاً تجارياً، مع توقعات بأن تبلغ تجارة القمح العالمية (يوليو-يونيو) 207.1 ملايين طن، ارتفاعاً من 186.9 مليون طن قبل عام - بزيادة قدرها 20.2 مليون طن. وعزا هذا التوسع إلى وفرة المعروض لدى أهم مصادر التصدير، معتبراً أنه لا يُتوقع أن يشهد أي من كبار المنتجين تراجعاً في الإنتاج الإجمالي، مدعوماً بمحاصيل كبيرة في كندا والأرجنتين وكازاخستان، وثاني أعلى محصول في الاتحاد الأوروبي، وثالث أعلى محصول في أستراليا.
وعلى صعيد الصادرات، توقع بافنسكي توسعاً واسع النطاق تقوده كل من الاتحاد الأوروبي (+5.6 مليون طن) والأرجنتين (+5.6 مليون طن)، تليهما أستراليا (+5.2 مليون طن)، وروسيا (+3.4 مليون طن)، والولايات المتحدة (+1.8 مليون طن)، وكندا (+0.8 مليون طن). وقال إن التسارع بات واضحاً بالفعل في النصف الأول من السنة التسويقية: ففي يوليو-ديسمبر 2025/26، شحنت الدول السبع الكبرى المصدّرة 92.4 مليون طن، بزيادة 6% على أساس سنوي. وأضاف أن أقوى المكاسب جاءت من موردي الأطلسي ونصف الكرة الجنوبي - إذ ارتفعت صادرات الولايات المتحدة 19%، وكندا 5%، وأستراليا 54%، وتضاعفت الأرجنتين أكثر من مرة - بينما كان إيقاع الصادرات الروسية أقل 10%، بما يعكس محصولاً أصغر في المناطق الجنوبية ومنافسة أشد في المناقصات العالمية. وخلال النافذة نفسها، كان الاتحاد الأوروبي متأخراً 3% عن وتيرة العام الماضي، فيما صدّرت أوكرانيا أقل بنسبة 20%.
كما أشار بافنسكي إلى تحولات في جانب الطلب تعيد تشكيل التدفقات نحو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقال إن واردات تركيا يُتوقع أن تتعافى إلى 7.5 ملايين طن بعد تعليق في 2024/25، بينما يُرجح أن تستعيد الصين جزءاً من مشترياتها لتصل إلى 5 ملايين طن. وأضاف أن ضيق المحاصيل المحلية قد يرفع واردات إيران إلى مليوني طن (من 1.3 مليون)، وباكستان إلى 0.5 مليون طن (من الصفر)، مع مساهمة كبار المستوردين الاثني عشر مجتمعين في زيادة قدرها 12.6 مليون طن في الطلب الاستيرادي.
وبالنسبة لروسيا، قدّر بافنسكي محصول الحبوب في 2025/26 عند 142.5 مليون طن، منها 91.4 مليون طن قمح، و19.7 مليون طن شعير، و15.8 مليون طن ذرة، و7.6 ملايين طن بقول. وقدّر صادرات روسيا من القمح في يوليو 2025-يناير 2026 عند 29.6 مليون طن، دون المستوى القياسي البالغ 32.2 مليون طن المسجل في 2024 للفترة نفسها، بينما بلغت صادرات الشعير 4.37 ملايين طن والذرة 3.08 ملايين طن. وقدّر إجمالي صادرات روسيا من الحبوب والبقول لموسم 2025/26 عند 58.85 مليون طن، ارتفاعاً من 53.38 مليون طن قبل عام.

إعادة اتزان الخدمات اللوجستية الروسية
كان الاستنتاج اللوجستي الأبرز، بحسب بافنسكي، أن جغرافيا الصادرات الروسية تغيّر طريقة انتقال الحبوب إلى الموانئ. فمنذ سبتمبر 2025، قال إن روسيا سجلت أحجام تصدير شهرية قياسية عبر السكك الحديدية، ما رفع صادرات يوليو-يناير بالقطار إلى 14.8 مليون طن (قرب الرقم القياسي 15.1 مليون طن في 2023/24)، مع استحواذ القمح على 86% (12.7 مليون طن). وللموسم الكامل 2025/26، توقع صادرات بالسكك الحديدية تبلغ 21.8 مليون طن مقابل 15.85 مليون طن في 2024/25، وقال إن حصة السكك من إجمالي صادرات الحبوب تتجه إلى مستوى قياسي عند 40%، ارتفاعاً من 30-35% في المواسم الأخيرة، مدفوعة بتدفقات أقوى من مناطق الفولغا والوسط وسيبيريا وتراجع الشحنات من الجنوب.
وبالنظر أبعد من ذلك، قال بافنسكي إن المساحة المحصودة للقمح في روسيا خلال 2026/27 يُتوقع أن تبقى قرب أدنى مستوى في سبع سنوات، وبما يتماشى تقريباً مع 2025/26، عند 26.8 مليون هكتار، منها 15.9 مليون هكتار للقمح الشتوي (15.8 مليون العام الماضي) و10.85 ملايين هكتار للقمح الربيعي. وأشار إلى أن آخر مرة عملت فيها روسيا بمساحة قمح منخفضة مماثلة كانت في 2018/19، حين بلغ المحصول 72.1 مليون طن، مقارنة بـ 91.4 مليون طن في 2025/26 من مساحة شبه مماثلة. وأضاف أن أحوال الخريف وبداية الشتاء كانت مواتية حتى الآن للقمح الشتوي، ما يدعم آفاق الغلة، وتوقع إنتاج روسيا من القمح في 2026/27 عند 89-94 مليون طن، قريباً من 2025/26، بافتراض عدم حدوث طقس متطرف في أواخر الشتاء أو خلال ربيع 2026.
ميزة الأرض لدى روسيا
قال دميتري فولوبييف، نائب المدير في Petrokhleb-Kuban، إن الإمكانات التصديرية لروسيا تتوسع مع إعادة تشكيل التغير المناخي وقيود الأراضي للإمدادات العالمية. وقال إن الأراضي الزراعية في روسيا تمثل 22% من إجمالي مساحة البلاد، وإن بإمكان الدولة إضافة نحو 5 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مع إمكانية إدخال ما يصل إلى 30 مليون هكتار إلى الاستخدام خلال العشرين عاماً المقبلة - وهو توسع قال إنه قد يرفع حصاد الحبوب الروسي بمقدار 10 إلى 40 مليون طن. وحذر فولوبييف من أن توافر الأراضي الزراعية يُتوقع أن يتراجع في مناطق متعددة وفق سيناريوهات مناخية «أساسية» و«ضاغطة»، وقال إن هذا الاتجاه قد يحوّل التنافسية والموثوقية نحو الموردين في خطوط العرض الأعلى. كما أشار إلى أن روسيا تصدّر بالفعل نحو 20% من إمدادات القمح العالمية، وقال إن الحفاظ على الصادرات وتوسيعها سيعتمد على تنويع الخدمات اللوجستية وممرات التجارة، بما في ذلك الممر الدولي بين الشمال والجنوب.
البحر الأسود وتركيا وتشكّل الأسعار
وصف إرين غونهان أولوسوي، رئيس IAOM Eurasia ورئيس مجلس إدارة Ulusoy Flour، حوض البحر الأسود بأنه البؤرة الاستراتيجية لأسواق الحبوب العالمية لأنه يقع عند تقاطع تشكّل الأسعار، وتدفقات التجارة، وهشاشة اللوجستيات، والجغرافيا السياسية. وقال إن المنطقة تمثل نحو 25% من صادرات الحبوب العالمية، وقدم تركيا باعتبارها أحد المشترين الرئيسيين في هذا النظام.
وبالنسبة لموسم 2025/26، قال أولوسوي إن واردات تركيا من القمح يُتوقع أن تقترب من 7 ملايين طن مع انخفاض الإنتاج إلى نحو 16 مليون طن، لكنه رأى أن البنية المؤسسية والمادية للبلاد قادرة على استيعاب هذا الحجم دون زعزعة الاستهلاك المحلي أو إنتاج الدقيق أو استقرار الأسعار. واستشهد بقاعدة سعات تشمل 4.5 ملايين طن من تخزين TMO، و14.5 مليون طن من التخزين المرخّص، و6.25 ملايين طن من سعة المخازن الجمركية في الموانئ، وإجمالي طاقة إنتاج دقيق تبلغ 28 مليون طن عبر 500 منشأة. وبالنظر إلى 2026/27، قال إن الموسم بدأ برطوبة تربة ضعيفة لكن الظروف تحسنت مع أمطار يناير وتساقط كثيف للثلوج، ما يدعم الآفاق إذا ظلت أمطار الربيع مواتية.
تحول واردات الحبوب في مصر
وصف المهندس أحمد السباعي، المدير العام للمجموعة المصرية السويسرية للمكرونة والمطاحن والمركزات في مصر، القمح بأنه السلعة الأكثر حساسية سياسياً واجتماعياً في معادلة الأمن الغذائي المصري. وأشار إلى أن روسيا وفرت نحو 59% من واردات القمح المصرية في 2025، معتبراً أن استمرار التنسيق مع المصدّرين الروس ضروري لاستقرار الإمدادات وتحقيق تسعير أكثر توازناً وسط الضغوط الجيوسياسية وتقلبات الخدمات اللوجستية. كما أشار إلى الجهود الرامية إلى تسجيل الموردين الروس على منصة الشراء الموحدة في مصر بوصفها خطوة بنّاءة نحو تنظيم وشفافية أكبر في الواردات الاستراتيجية.
وأضاف السباعي أن واردات مصر من القمح تراجعت إلى نحو 13.1 مليون طن، بما يعكس انخفاض مشتريات الدولة وارتفاع التوريد المحلي، بينما دفعت أعلاف الحيوانات والطلب الصناعي خطوط استيراد أخرى إلى الارتفاع الحاد. وارتفعت واردات الذرة إلى مستوى قياسي تجاوز 11.5 مليون طن في 2025، بالتوازي مع تحول واضح في مصادر التوريد نحو البرازيل والأرجنتين، كما واصلت واردات فول الصويا تسجيل قمم جديدة مع توسع طاقات العصر والاستهلاك الصناعي. وقال إن هذا الاتجاه يشير إلى تغير هيكلي في تركيبة وجغرافيا واردات الحبوب المصرية، ما يزيد مخاطر التركّز ويعزز الحاجة إلى أدوات أقوى لإدارة المخاطر، وتنويع الإمدادات، ودعم موازٍ للإنتاج المحلي حيثما كان ذلك ممكناً.
ديناميكيات شحن الحبوب
قال إيشان بهانو، كبير محللي السلع الزراعية في Kpler، إن ديناميكيات شحن الحبوب وتوافر السفن ستظل عوامل محركة للسوق في 2026، مع تزايد تشكّل التدفقات التجارية بفعل تنافسية المناشئ، وأداء الموانئ، ومخاطر المسارات أكثر من مجرد أسعار السلع في حد ذاتها. وأضاف أن هيمنة أمريكا الجنوبية على الصادرات يُتوقع أن تستمر بدعم من محاصيل كبيرة، وتحسن انسيابية الموانئ، وتنافسية الأسعار، معتبراً أن انخفاض الازدحام في مناطق التحميل الرئيسية يضيف طاقة استيعابية فعلياً عبر تقليص أوقات الانتظار وتحسين دوران السفن.
وقال بهانو أيضاً إن قمح الأرجنتين مرشح لأن يقطع مسافات أطول وأن ينتشر على نطاق أوسع، بما يتحدى الموردين التقليديين ويضغط على موقع أوروبا التصديري، إذ إن الإمدادات الأرجنتينية الإضافية تُزاحم قمح البحر الأسود وأستراليا في وجهات رئيسية وتغير أنماط الطلب على الشحن.
وعلى صعيد الجغرافيا السياسية، قال إن أزمة البحر الأحمر كانت في صالح مصدّري البحر الأسود، مضيفاً أن انحسار الأزمة من غير المرجح أن يغير أنماط تجارة الحبوب بشكل جوهري، لكنه سيعيد المنافسة من أوروبا الغربية. كما قال إن عودة الوضع الطبيعي في البحر الأحمر سترفع معروض السفن، مشيراً إلى أن أميال-الأطنان للشحن الجاف السائب ارتفعت إجمالاً بسبب النزاع رغم أن تدفقات الحبوب الأساسية لم تتأثر.
من التقلبات الموسمية إلى التقلب «غير الموسمي»
في جلسة الأدوات المتداولة في البورصات وإدارة المخاطر، قال الدكتور أرون راستي، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لبورصة السلع والمشتقات الوطنية الهندية (NCDEX)، إن أسواق الحبوب تتحول من تقلبات موسمية إلى تقلب «غير موسمي»، ما يجعل آليات اكتشاف الأسعار وإدارة المخاطر الرسمية أكثر أهمية - خصوصاً للمناطق المعتمدة على الاستيراد مثل الخليج. وقال إن تجارة زراعية سنوية بنحو 1.5 تريليون دولار تتعرض لتقلبات سعرية بين 40% و60%، وإن الأسواق الناشئة - التي تضم أكثر من 850 مليون مزارع حيازة صغيرة ينتجون نحو نصف الإمدادات العالمية - تفتقر غالباً إلى البنية التحتية اللازمة لتسعير شفاف وإدارة فعالة للمخاطر.
ووصف اكتشاف الأسعار التقليدي بعد الحصاد بأنه «متقادم»، قائلاً إن فجوات المعلومات وتفتت سلاسل الإمداد يتيحان للوسطاء الاستحواذ على 30-40% من القيمة ويتركان المزارعين والمصنّعين والتجار أكثر عرضة لتحركات الأسعار المفاجئة. ورأى أن الأسواق المتداولة في البورصات والمدعومة بمعايير جودة موحدة، وشبكات تخزين، ومقاصة مركزية يمكن أن تقلل مخاطر الطرف المقابل وتعزز ثقة السوق. وأضاف راستي أن الحكومات يمكنها تسريع التبني عبر مواءمة المعايير الإقليمية، والاعتراف بالعقود العابرة للحدود، وخلق حوافز لأنشطة التحوط، محذراً من أن التحولات السياسية غير المتوقعة تميل إلى تضخيم التقلب وإضعاف الثقة.
البقول تحت المجهر: رسوم الصين، تحولات المناشئ وإمدادات البحر الأسود
قال سيرغي بلوجنيكوف، مؤسس Russian Pulses Analytics، إن تجارة البقول أصبحت أكثر استراتيجية مع تشديد المشترين الكبار لتفضيلات المناشئ وأدوات الرسوم الجمركية. وقال إن صادرات روسيا من البقول ارتفعت إلى «أكثر من 3 ملايين طن» في 2023/24، واعتبر تركيا مركزاً رئيسياً للطلب. كما سلط الضوء على تنامي دور الصين، قائلاً إن حصة روسيا من واردات الصين من البازلاء الصفراء ارتفعت من 37% (2023) إلى 48% (2024) و66% (يناير-نوفمبر 2025)، رابطاً هذا التحول بالرسوم التي فُرضت على البازلاء الصفراء الكندية اعتباراً من 20 مارس.
وقال يوان تشنغ، مدير مبيعات الحبوب في Zhongshangpeng، إن الصين كانت أكبر مستورد للحبوب في العالم لمدة 10 سنوات متتالية منذ 2014، وإن فول الصويا ما يزال عماد الواردات عند نحو 103.22 ملايين طن. وبخصوص البازلاء، قال إن الصين وافقت على واردات البازلاء الروسية في أواخر 2022، وإن روسيا أصبحت أكبر مورّد للبازلاء إلى الصين بحلول 2024. وأضاف تشنغ أن الصين استوردت قرابة 600 ألف طن من البازلاء من كندا في 2024، وأن كندا تعتمد على الصين لنحو 70% من صادراتها من البازلاء الجافة. واعتباراً من 20 مارس 2025، قال إن الصين فرضت رسماً جمركياً بنسبة 100% على بعض الواردات الكندية بما فيها البازلاء الجافة، ما أدى إلى تقلبات سعرية إذ تحرك متوسط أسعار البازلاء من نحو 2,600 يوان/طن إلى 4,500 يوان قبل أن يتراجع إلى 2,500. وأضاف أن تبديل المناشئ ليس خالياً من الاحتكاكات، مشيراً إلى الازدحام وتراكم المخزونات، وقال إن البازلاء الروسية لا تحل بالكامل محل البازلاء الكندية في الاستخدامات التصنيعية الأعلى قيمة.