BLOG

تدخل تركيا حقبة جديدة في القمح: هدف 30 مليون طن بحلول 2040

09 رمضان 144721 دقيقة للقراءة

تضع‭ ‬تركيا‭ ‬رؤية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬للقمح‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬والكفاءة‭ ‬والجودة‭. ‬وفي‭ ‬حديثه‭ ‬إلى‭ ‬Miller Magazine،‭ ‬قال‭ ‬يشار‭ ‬سيربي،‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للحبوب‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ (‬UHK‭)‬،‭ ‬إن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬إنتاج‭ ‬يبلغ‭ ‬30‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2040‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تخطيط‭ ‬إنتاج‭ ‬ذكي‭ ‬مائياً،‭ ‬وتحديث‭ ‬أنظمة‭ ‬الري،‭ ‬واعتماد‭ ‬أصناف‭ ‬مقاومة‭ ‬للجفاف،‭ ‬وبرامج‭ ‬دعم‭ ‬تقودها‭ ‬التكنولوجيا‭. ‬وأضاف‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للمخزونات‭ ‬والسياسات‭ ‬القابلة‭ ‬للتنبؤ‭ ‬ستكونان‭ ‬صمام‭ ‬الأمان‭ ‬الأساسي‭ ‬لهذا‭ ‬التحول‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬الحبوب‭ ‬مجرد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الزراعية‭. ‬ففي‭ ‬عالم‭ ‬اليوم،‭ ‬أصبحت‭ ‬تقع‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الكلي‭ ‬والقدرة‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تقلبات‭ ‬المناخ‭ ‬والتوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وهشاشة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط،‭ ‬تصبح‭ ‬أسواق‭ ‬الحبوب‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للمخاطر،‭ ‬وأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬للحكومات‭ ‬والصناعة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬تركيا،‭ ‬تكتسب‭ ‬الحبوب‭ - ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬القمح‭ - ‬أهمية‭ ‬مزدوجة‭: ‬فهي‭ ‬ضرورية‭ ‬لتلبية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬المحلية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تدعم‭ ‬طموحاً‭ ‬أوسع‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬تركيا‭ ‬كمركز‭ ‬إقليمي‭ ‬للتصنيع‭ ‬والتصدير،‭ ‬مستند‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬إنتاج‭ ‬قوية‭ ‬وصناعة‭ ‬طحن‭ ‬متقدمة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانات‭ ‬إلى‭ ‬ميزة‭ ‬مستدامة‭ ‬يتطلب‭ ‬عقلاً‭ ‬إنتاجياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬جديداً‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬الأولوية‭ ‬استقرار‭ ‬الإنتاج‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬المناخي‭ ‬والتحسن‭ ‬القابل‭ ‬للقياس‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والجودة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يشرح‭ ‬يشار‭ ‬سيربي‭ ‬ما‭ ‬يصفه‭ ‬بانتقال‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬القمح‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬معادلة‭ ‬‮«‬الاستقرار‭ - ‬الكفاءة‭ - ‬الجودة‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬المقابلة،‭ ‬يفصل‭ ‬شروط‭ ‬النمو‭ ‬طويل‭ ‬الأجل،‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬المياه‭ ‬وتحديث‭ ‬الري،‭ ‬إلى‭ ‬مرونة‭ ‬الأصناف‭ ‬والحوافز‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لتحسين‭ ‬الأداء‭ ‬عبر‭ ‬سلسلة‭ ‬القيمة‭.‬

كما‭ ‬يسلط‭ ‬سيربي‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬ركيزتين‭ ‬يعتبرهما‭ ‬غير‭ ‬قابلتين‭ ‬للتفاوض‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭: ‬الإدارة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للمخزونات،‭ ‬وإشارات‭ ‬السياسات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬القابلة‭ ‬للتنبؤ‭. ‬وبرأيه،‭ ‬تمثل‭ ‬هاتان‭ ‬الركيزتان‭ ‬‮«‬آليات‭ ‬تأمين‮»‬‭ ‬تحمي‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬الصدمات‭ ‬الدورية،‭ ‬وتدعم‭ ‬قرارات‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وتمكن‭ ‬المنتجين‭ ‬والمصنعين‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬بثقة‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المقابلة‭ ‬الموسعة،‭ ‬نستعرض‭ ‬مشهد‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬متعددة‭: ‬ديناميكيات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬وتوقعات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬والإشارات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬داخل‭ ‬المجلس‭ ‬ومن‭ ‬تجربته‭ ‬الصناعية،‭ ‬يقدم‭ ‬سيربي‭ ‬تقييماً‭ ‬مفصلاً‭ ‬يشمل‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتجارة‭ ‬وتكوين‭ ‬الأسعار‭ ‬والاستدامة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭.‬


السيد‭ ‬يشار‭ ‬سيربي،‭ ‬شكراً‭ ‬لتخصيصكم‭ ‬وقتاً‭ ‬لنا‭. ‬بدايةً،‭ ‬هل‭ ‬يمكنكم‭ ‬أن‭ ‬تقدموا‭ ‬لمحة‭ ‬موجزة‭ ‬عن‭ ‬رسالة‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للحبوب‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ (‬UHK‭) ‬وأبرز‭ ‬مجالات‭ ‬عمله؟

تأسس‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للحبوب‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬بموجب‭ ‬قانون‭ ‬الزراعة‭. ‬وهو‭ ‬كيان‭ ‬قانوني‭ ‬يجمع‭ ‬جميع‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬في‭ ‬القطاع،‭ ‬من‭ ‬المنتجين‭ ‬والصناعيين‭ ‬إلى‭ ‬الجامعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬العامة‭. ‬ويضم‭ ‬المجلس‭ ‬اليوم‭ ‬185‭ ‬عضواً‭ ‬ويعمل‭ ‬من‭ ‬مقره‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬أنقرة‭.‬

تتمثل‭ ‬المهمة‭ ‬الأساسية‭ ‬لـ‭ ‬UHK‭ ‬في‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬السياسات‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬سلسلة‭ ‬القيمة‭ ‬كاملة،‭ ‬من‭ ‬الزراعة‭ ‬إلى‭ ‬التصنيع‭ ‬والاستهلاك‭ ‬والتجارة‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬مجالات‭ ‬عملنا‭ ‬الرئيسية‭: ‬إعداد‭ ‬تحليلات‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬القطاع‭ ‬وفق‭ ‬ظروف‭ ‬السوق‭ ‬ومخاطر‭ ‬المناخ‭ ‬والتطورات‭ ‬الدولية؛‭ ‬وإعداد‭ ‬تقارير‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬البيانات؛‭ ‬وبناء‭ ‬منظور‭ ‬استراتيجي‭ ‬مشترك‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬لا‭ ‬نكتفي‭ ‬بإعداد‭ ‬تقارير‭ ‬مكتبية‭. ‬فقد‭ ‬نظمنا‭ ‬اجتماعات‭ ‬قطاعية‭ ‬في‭ ‬17‭ ‬موقعاً‭ ‬داخل‭ ‬تركيا‭. ‬وخلال‭ ‬المواسم‭ ‬الثلاثة‭ ‬الماضية،‭ ‬نظمنا‭ ‬أيضاً‭ ‬مؤتمرات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحصاد‭ ‬بمشاركة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬وزاري‭. ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬تقارير‭ ‬المجلس‭ ‬العلمي‭ ‬لدينا‭ ‬حول‭ ‬القمح‭ ‬والشعير‭ ‬والأرز‭ ‬والتريتيكال‭ ‬والشوفان‭ ‬والجاودار‭ ‬مراجع‭ ‬أساسية‭ ‬للقطاع‭. ‬وإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬ننشر‭ ‬بانتظام‭ ‬تقارير‭ ‬تقدم‭ ‬المحاصيل‭ ‬وتوقعات‭ ‬الحصاد‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العام،‭ ‬ونعرض‭ ‬آراءنا‭ ‬وتوصياتنا‭ ‬بشأن‭ ‬التغييرات‭ ‬التنظيمية‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬العامة‭.‬


أين‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬توازن‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الحبوب‭ ‬التركية؟

بوجه‭ ‬عام،‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬توازن‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬في‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬بأنه‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬التوازن‭. ‬ففي‭ ‬سنة‭ ‬متوسطة،‭ ‬تنتج‭ ‬البلاد‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬القمح،‭ ‬و8‭ ‬ملايين‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الشعير،‭ ‬و8‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الذرة،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬تقلبات‭ ‬سنوية‭ ‬ملحوظة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المحاصيل‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬وبسبب‭ ‬جفاف‭ ‬الموسم‭ ‬الماضي،‭ ‬ارتفعت‭ ‬احتياجات‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬القمح‭ ‬والشعير‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬امتلاك‭ ‬المؤسسة‭ ‬التركية‭ ‬للحبوب‭ (‬TMO‭) ‬مخزونات‭ ‬مرحّلة‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬الموسم‭ ‬السابق،‭ ‬بقيت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاستيراد‭ ‬محدودة‭.‬

للأسف،‭ ‬تأثر‭ ‬حصاد‭ ‬2024‭/‬25‭ ‬بالجفاف‭. ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬الموسم‭ ‬انخفض‭ ‬إجمالي‭ ‬إنتاج‭ ‬الحبوب‭ ‬بنسبة‭ ‬12‭.‬3‭% ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬34‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬طن‭. ‬وتراجع‭ ‬إنتاج‭ ‬القمح‭ ‬بنسبة‭ ‬13‭.‬7‭% ‬إلى‭ ‬17‭.‬9‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬مقارنة‭ ‬بالموسم‭ ‬السابق،‭ ‬بينما‭ ‬هبط‭ ‬الشعير‭ ‬بنسبة‭ ‬25‭.‬9‭% ‬إلى‭ ‬6‭.‬0‭ ‬ملايين‭ ‬طن‭. ‬كما‭ ‬انخفض‭ ‬الجاودار‭ ‬بنسبة‭ ‬20.9%‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬203‭ ‬آلاف‭ ‬طن،‭ ‬وتراجع‭ ‬الشوفان‭ ‬بنسبة‭ ‬26‭.‬3‭% ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬288‭ ‬ألف‭ ‬طن‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬ارتفع‭ ‬إنتاج‭ ‬الذرة‭ ‬بنسبة‭ ‬5‭% ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬8‭.‬6‭ ‬ملايين‭ ‬طن‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تغطية‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬فإنه‭ ‬يبقى‭ ‬غير‭ ‬كافٍ‭ ‬إذا‭ ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬كامل‭ ‬إمكانات‭ ‬تركيا‭ ‬وموقعها‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬فالتحدي‭ ‬الرئيس‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بإجمالي‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬باستقرار‭ ‬الإنتاج‭ ‬وثبات‭ ‬الجودة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬UHK،‭ ‬يرتكز‭ ‬نهجنا‭ ‬الأساسي‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المساحة‭ ‬المزروعة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬غلات‭ ‬أعلى‭ - ‬وأعلى‭ ‬جودة‭ - ‬لكل‭ ‬وحدة‭ ‬مساحة‭.‬


تنظرون‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬متعددة‭: ‬كرئيس‭ ‬للمجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للحبوب‭ ‬وكقائد‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬طحن‭ ‬الدقيق‭. ‬كيف‭ ‬تقيمون‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأسواق‭ ‬الحبوب؟

كان‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬بالنسبة‭ ‬لقطاع‭ ‬الحبوب‭ ‬عاماً‭ ‬تجسدت‭ ‬فيه‭ ‬مخاطر‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬ما‭ ‬وضع‭ ‬قدرة‭ ‬القطاع‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭. ‬فقد‭ ‬ضغط‭ ‬الجفاف‭ ‬المرتبط‭ ‬بتغير‭ ‬المناخ،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المدخلات،‭ ‬وتقلب‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وبفضل‭ ‬خبرة‭ ‬المنتجين‭ ‬ومرونة‭ ‬شراء‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬لدى‭ ‬قطاع‭ ‬التصنيع‭ ‬والتنسيق‭ ‬الفعال‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة،‭ ‬تم‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الإمدادات‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬UHK،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬عاماً‭ ‬مفصلياً‭ ‬كشف‭ ‬بوضوح‭ ‬حدود‭ ‬نموذج‭ ‬الإنتاج‭ ‬الحالي‭ ‬وأكد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬هيكلي‭.‬

انخفضت‭ ‬صادرات‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬الزراعة‭ ‬والأغذية‭ ‬والمشروبات‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬يناير‭-‬نوفمبر‭ ‬2025‭ ‬بنسبة‭ ‬1‭.‬02‭% ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي‭ ‬إلى‭ ‬24‭.‬79‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ارتفعت‭ ‬الواردات‭ ‬بنسبة‭ ‬22‭.‬83‭% ‬إلى‭ ‬20‭.‬52‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬ورغم‭ ‬زيادة‭ ‬الواردات،‭ ‬حقق‭ ‬القطاع‭ ‬فائضاً‭ ‬تجارياً‭ ‬قدره‭ ‬4‭.‬27‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ارتفعت‭ ‬قيمة‭ ‬وحدة‭ ‬التصدير‭ ‬بنسبة‭ ‬8‭.‬8‭% ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬1‭,‬422‭ ‬دولاراً‭ ‬للطن‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬استوردت‭ ‬تركيا‭ ‬نحو‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬القمح‭ (‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬واردات‭ ‬المنتجات‭ ‬المصنعة‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬صدّرت‭ ‬منتجات‭ ‬مصنعة‭ ‬تعادل‭ ‬6‭.‬4‭ ‬ملايين‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬القمح‭. ‬وقد‭ ‬ولدت‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬3‭.‬5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬عائدات‭ ‬التصدير،‭ ‬مقابل‭ ‬1‭.‬14‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬مدفوعة‭ ‬للواردات‭.‬

لكن‭ ‬يجب‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬نقطة‭ ‬أساسية‭: ‬إن‭ ‬قدرة‭ ‬أحجام‭ ‬الإنتاج‭ ‬على‭ ‬تغطية‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭. ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬استقرار‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وحماية‭ ‬ثبات‭ ‬الجودة،‭ ‬وبناء‭ ‬هيكل‭ ‬إنتاجي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭.‬

لماذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رفع‭ ‬إنتاج‭ ‬القمح‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتركيا؟

إن‭ ‬زيادة‭ ‬إنتاج‭ ‬القمح‭ ‬أمر‭ ‬حيوي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كهدف‭ ‬اقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬للأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والاستقلالية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والتنمية‭ ‬الريفية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬ينبغي‭ ‬لنا‭ ‬زيادة‭ ‬إنتاج‭ ‬القمح؟‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬زراعية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أيضاً‭ ‬مسألة‭ ‬استراتيجية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ووطنية،‭ ‬لها‭ ‬دلالات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬المناخي‭ ‬والاستدامة‭.‬

منذ‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العامل‭ ‬الرئيس‭ ‬وراء‭ ‬تقلص‭ ‬مساحات‭ ‬زراعة‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬تركيا‭. ‬فقبل‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬عاماً،‭ ‬بلغت‭ ‬مساحة‭ ‬القمح‭ ‬قرابة‭ ‬9‭ ‬ملايين‭ ‬هكتار،‭ ‬ثم‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬6‭.‬8‭ ‬ملايين‭ ‬هكتار‭. ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فهي‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬7‭-‬7‭.‬5‭ ‬ملايين‭ ‬هكتار‭. ‬وقد‭ ‬عُوِّض‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬لفترة‭ ‬كبيرة‭ ‬بزيادات‭ ‬في‭ ‬الغلة‭ ‬مدعومة‭ ‬بالممارسات‭ ‬الزراعية‭ ‬الحديثة‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬ورغم‭ ‬تقلص‭ ‬المساحة‭ ‬المزروعة،‭ ‬ارتفع‭ ‬الإنتاج‭ ‬السنوي‭ ‬للقمح‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬15‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬مليون‭ ‬طن‭. ‬ومع‭ ‬نمو‭ ‬السكان،‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب‭ ‬أيضاً‭. ‬وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ساعد‭ ‬تعزيز‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬الأكثر‭ ‬استراتيجية‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬والغابات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدور‭ ‬المثبِّت‭ ‬للأسعار‭ ‬الذي‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬المؤسسة‭ ‬التركية‭ ‬للحبوب‭ (‬TMO‭) - ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬القمح‭ - ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتجارة‭ ‬الوطنيين،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تعافٍ‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬المساحات‭ ‬المزروعة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬متوسط‭ ‬الغلة‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬يبلغ‭ ‬نحو‭ ‬270‭ ‬كيلوغراماً‭ ‬للدونم،‭ ‬وهو‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي،‭ ‬فإننا‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬أقل‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭. ‬وبطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬يعد‭ ‬المناخ‭ ‬والهطول‭ ‬المطري‭ ‬عاملين‭ ‬حاسمين‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬اعتماد‭ ‬الزراعة‭ ‬على‭ ‬الظروف‭ ‬الجوية‭. ‬فهناك‭ ‬نحو‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬هكتار‭ ‬تُترك‭ ‬بوراً‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬ويعود‭ ‬السبب‭ ‬الرئيس‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬المياه‭. ‬وينبغي،‭ ‬ضمن‭ ‬مبادئ‭ ‬محددة‭ ‬بوضوح،‭ ‬تنفيذ‭ ‬نقل‭ ‬المياه‭ ‬بين‭ ‬الأحواض‭ ‬حيثما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ممكناً‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬تحديث‭ ‬أنظمة‭ ‬الري‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬المروية‭ ‬حالياً‭. ‬ونحن‭ ‬ندعم‭ ‬بقوة‭ ‬أيضاً‭ ‬قرار‭ ‬الحكومة‭ ‬تأجير‭ ‬الأراضي‭ ‬غير‭ ‬المستخدمة‭ ‬وإدخالها‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬لما‭ ‬لذلك‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬حاسمة‭ ‬للقطاع‭.‬

إن‭ ‬توسيع‭ ‬نظم‭ ‬الدورة‭ ‬الزراعية‭ ‬واعتماد‭ ‬أصناف‭ ‬قمح‭ ‬مقاومة‭ ‬للجفاف‭ ‬ومبكرة‭ ‬النضج‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحمي‭ ‬خصوبة‭ ‬التربة‭ ‬ويقلل‭ ‬الأراضي‭ ‬البور‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقصير‭ ‬دورة‭ ‬الإنتاج‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬للتسميد‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬التربة،‭ ‬وممارسات‭ ‬الزراعة‭ ‬الرقمية،‭ ‬وتخطيط‭ ‬المحاصيل‭ ‬المدعوم‭ ‬بالأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬أن‭ ‬يتيح‭ ‬إنتاجاً‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭.‬

مرحلة‭ ‬تحول‭ ‬للقمح

على‭ ‬مدى‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬عشرة‭ ‬الماضية،‭ ‬شهد‭ ‬إنتاج‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬تقلباً‭ ‬سنوياً‭ ‬متوسطاً‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬3‭% ‬و5‭%. ‬وتذبذب‭ ‬إنتاج‭ ‬القمح‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬18‭-‬22‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬بينما‭ ‬سجلت‭ ‬سنوات‭ ‬الجفاف‭ ‬تراجعات‭ ‬بين‭ ‬15‭% ‬و20‭%. ‬وبالمثل،‭ ‬اتبع‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭ ‬عموماً‭ ‬مساراً‭ ‬مستقراً‭ ‬نسبياً،‭ ‬لكنه‭ ‬واجه‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬الإنتاجية‭ ‬المستهدف‭. ‬ومع‭ ‬مساهمة‭ ‬مشروع‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬الأناضول‭ (‬GAP‭) ‬ومشاريع‭ ‬الري‭ ‬الأخرى‭ - ‬ومع‭ ‬إظهار‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬فوائد‭ ‬ملموسة‭ - ‬تم‭ ‬تسجيل‭ ‬تقدم‭ ‬شمل‭ ‬زيادة‭ ‬الغلة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬المروية‭ ‬بنسبة‭ ‬25‭%‬،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تبني‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بنسبة‭ ‬40‭%‬،‭ ‬وزيادة‭ ‬استخدام‭ ‬المعدات‭ ‬الحديثة‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭%.‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬نموذج‭ ‬الدعم‭ ‬الجديد‭ ‬والتخطيط‭ ‬الإنتاجي‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬النباتي‮»‬‭ ‬و«نموذج‭ ‬الزراعة‭ ‬التعاقدية‮»‬‭ ‬اللذين‭ ‬نشرتهما‭ ‬الوزارة‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬أغسطس‭/‬آب‭ ‬2024‭ ‬شكّلا‭ ‬تطورين‭ ‬مهمين،‭ ‬يشيران‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬حقبة‭ ‬جديدة‭.‬

يبلغ‭ ‬متوسط‭ ‬الغلة‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬6‭ ‬طن‭ ‬للهكتار‭ - ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي‭ - ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬إمكانية‭ ‬تقارب‭ ‬40‭% ‬لسد‭ ‬الفجوة‭ ‬مع‭ ‬معايير‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭. ‬وتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬التحسن‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬الإنتاج‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الحالية‭. ‬ووفق‭ ‬تقييمنا،‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬الفترة‭ ‬2015‭-‬2020‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬فترة‭ ‬استقرار‮»‬،‭ ‬و2021‭-‬2025‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬فترة‭ ‬نمو‮»‬،‭ ‬و2026‭-‬2030‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬فترة‭ ‬تحول‮»‬،‭ ‬برؤية‭ ‬تستهدف‭ ‬متوسط‭ ‬إنتاج‭ ‬بين‭ ‬25‭ ‬و28‭ ‬مليون‭ ‬طن‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تشمل‭ ‬أولويات‭ ‬السياسة‭ - ‬أولاً،‭ ‬إطعام‭ ‬سكان‭ ‬يبلغ‭ ‬عددهم‭ ‬100‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬وثانياً،‭ ‬توفير‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬اللازمة‭ ‬لصادرات‭ ‬المنتجات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬القمح‭ ‬مثل‭ ‬الدقيق‭ ‬والمعكرونة‭ ‬والبرغل‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬محلية‭ - ‬التخطيط‭ ‬الديناميكي‭ ‬للإنتاج‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الأحواض،‭ ‬والدعم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الغلة،‭ ‬ونماذج‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحايد‭ ‬كربونياً،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬للزراعة‭ ‬الرقمية،‭ ‬والمقاربات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬وبرامج‭ ‬التربية‭.‬

ومع‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجيات،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الواقعي‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬تركيا‭ ‬30‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬القمح‭ ‬بحلول‭ ‬2040،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬8‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬إيرادات‭ ‬صادرات‭ ‬المنتجات‭ ‬المصنعة‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬15‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬القمح‭.‬


أسعار‭ ‬الدقيق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬الاتجاه‭ ‬العالمي

هل‭ ‬تعود‭ ‬التقلبات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬دقيق‭ ‬القمح‭ ‬أساساً‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬محلية،‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬تطورات‭ ‬أسواق‭ ‬الحبوب‭ ‬العالمية؟

يتحدد‭ ‬تكوين‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الدقيق‭ ‬أساساً‭ ‬بتطورات‭ ‬أسواق‭ ‬الحبوب‭ ‬العالمية‭. ‬ومن‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭: ‬كون‭ ‬القمح‭ ‬سلعة‭ ‬متداولة‭ ‬دولياً؛‭ ‬واكتشاف‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬بورصات‭ ‬مثل‭ ‬مجلس‭ ‬شيكاغو‭ ‬للتجارة‭ (‬CBOT‭) ‬ويورونكست‭ ‬باريس‭ (‬MATIF‭)‬؛‭ ‬والانتقال‭ ‬السريع‭ ‬لصدمات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬العالمية؛‭ ‬وميل‭ ‬الصناعة‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬تكافؤ‭ ‬الاستيراد‭ ‬عند‭ ‬التسعير‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬العوامل‭ ‬المحلية‭ - ‬خاصة‭ ‬التضخم‭ ‬وأسعار‭ ‬الصرف‭ ‬وتكاليف‭ ‬العمالة‭ ‬ونفقات‭ ‬اللوجستيات‭ ‬والطاقة‭ - ‬محركات‭ ‬مكملة‭ ‬مهمة‭. ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬تضخم‭ ‬أو‭ ‬تخفف‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬وسرعة‭ ‬تحركات‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الشراء‭ ‬والبيع‭ ‬التدخلية‭ ‬للمؤسسة‭ ‬التركية‭ ‬للحبوب‭ (‬TMO‭) ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬استقرار‭ ‬السوق،‭ ‬فإن‭ ‬حدوث‭ ‬انفصال‭ ‬هيكلي‭ ‬عن‭ ‬الاتجاهات‭ ‬العالمية‭ ‬يظل‭ ‬صعباً‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬الدولية‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭ ‬وتزداد‭ ‬تكلفة‭ ‬القمح‭ ‬المستورد‭ ‬بالليرة‭ ‬التركية‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الفترات،‭ ‬لا‭ ‬توفر‭ ‬التدخلات‭ ‬إلا‭ ‬استقراراً‭ ‬مؤقتاً‭.‬

وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عالمية‭ ‬تتسم‭ ‬بوفرة‭ ‬المعروض‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬الإنتاج،‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬تركيا‭ - ‬التي‭ ‬تستورد‭ ‬وتصدر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ - ‬ضغوطاً‭ ‬سعرية‭ ‬محلية‭ ‬مدفوعة‭ ‬بمتغيرات‭ ‬مثل‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬والضرائب‭ ‬وتكاليف‭ ‬اللوجستيات‭. ‬وبينما‭ ‬يمكن‭ ‬لمؤشرات‭ ‬الأسعار‭ ‬الدولية‭ ‬وظروف‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ (‬توازن‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬مستويات‭ ‬المخزونات،‭ ‬تدفقات‭ ‬التجارة‭) ‬أن‭ ‬تخفف‭ ‬الضغط،‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬وتكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬واللوجستيات‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬الأسعار‭ ‬بالليرة‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬لم‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬الدقيق‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل؛‭ ‬بل‭ ‬تحركت‭ ‬إجمالاً‭ ‬بما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الخام،‭ ‬وأحياناً‭ ‬بتأخر‭ ‬عنها‭.‬


تراجعت‭ ‬صادرات‭ ‬الدقيق‭ ‬بنسبة‭ ‬22‭%‬

في‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬حققت‭ ‬تركيا‭ ‬874‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬2‭.‬35‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الدقيق‭. ‬ويمثل‭ ‬ذلك‭ ‬تراجعاً‭ ‬بنسبة‭ ‬22‭% ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬السابق،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬حساسية‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬دورات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬المحلية‭. ‬وتوفر‭ ‬الظروف‭ ‬العالمية‭ ‬‮«‬الخلفية‭ ‬العامة‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬اتجاه‭ ‬وشدة‭ ‬تحركات‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬يتشكلان‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬بفعل‭ ‬تقلبات‭ ‬سعر‭ ‬الصرف،‭ ‬والأسعار‭ ‬المرجعية‭ ‬لـ‭ ‬TMO،‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتوازن‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬المحلي‭.‬

ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تحقيق‭ ‬استقرار‭ ‬مستدام‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الدقيق‭ ‬يتطلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬متابعة‭ ‬المؤشرات‭ ‬الخارجية‭. ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬أيضاً‭ ‬أخذ‭ ‬السياسة‭ ‬الزراعية‭ ‬المحلية،‭ ‬وديناميكيات‭ ‬سعر‭ ‬الصرف،‭ ‬وآليات‭ ‬دعم‭ ‬المنتجين،‭ ‬وتوازن‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭.‬

تمييز‭ ‬الجودة‭ ‬والسعر‭ ‬في‭ ‬المنافسة

بالنسبة‭ ‬لصناع‭ ‬الدقيق،‭ ‬كان‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬عاماً‭ ‬برزت‭ ‬فيه‭ ‬قضايا‭ ‬توفير‭ ‬المواد‭ ‬الخام،‭ ‬واستمرارية‭ ‬الجودة،‭ ‬وإدارة‭ ‬التكاليف‭. ‬ففي‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭ ‬كانت‭ ‬الجودة‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬المنافسة‭ ‬السعرية‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬التصدير‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط،‭ ‬تمكن‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الفترة‭ ‬بفضل‭ ‬مرونة‭ ‬التوريد‭ ‬وقدرته‭ ‬القوية‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬في‭ ‬التصدير‭.‬

وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬فإن‭ ‬أكبر‭ ‬مخاطر‭ ‬القطاع‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬العالمي‭ ‬وتقلب‭ ‬الأسعار‭. ‬أما‭ ‬أكبر‭ ‬فرصة‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬إمكانات‭ ‬تركيا‭ ‬لتصبح‭ ‬مركزاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬للدقيق‭ ‬مدعوماً‭ ‬بمزايا‭ ‬لوجستية‭ ‬وطاقة‭ ‬إنتاجية‭ ‬قوية‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الصادرات‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬فقد‭ ‬نجح‭ ‬مصنعو‭ ‬الدقيق‭ ‬الأتراك‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أسواقهم‭ ‬الأساسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬قاعدة‭ ‬مهمة‭ ‬لقصة‭ ‬نمو‭ ‬تصديري‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬وما‭ ‬بعده‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬تخلق‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬يقين‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬فإنها‭ ‬تبرز‭ ‬تركيا‭ ‬أيضاً‭ ‬كمورد‭ ‬موثوق‭. ‬فالقطاع‭ ‬يتنافس‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬السعر،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬الاستمرارية‭ ‬والثقة‭. ‬وفي‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بالإمكان‭ ‬تفسير‭ ‬تكوين‭ ‬الأسعار‭ ‬فقط‭ ‬بأساسيات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب؛‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬وتكاليف‭ ‬اللوجستيات‭ ‬والمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬متغيرات‭ ‬دائمة‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬تحتاج‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬التوازن‭ ‬عبر‭ ‬إدارة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للمخزونات‭ ‬وسياسات‭ ‬قابلة‭ ‬للتنبؤ‭.‬

الطقس‭ ‬المتطرف‭ ‬يرفع‭ ‬التكاليف‭ ‬ومخاطر‭ ‬الجودة

كيف‭ ‬يعيد‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬والتوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬تشكيل‭ ‬أسواق‭ ‬الحبوب‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مخاطر‭ ‬الإمداد‭ ‬وتقلب‭ ‬الأسعار؟

بدأ‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الغلات‭ - ‬خاصة‭ ‬لمحاصيل‭ ‬الموسم‭ ‬البارد‭ ‬مثل‭ ‬القمح‭ ‬والذرة‭. ‬وتشير‭ ‬الأبحاث‭ ‬والأدلة‭ ‬الميدانية‭ ‬بصورة‭ ‬متسقة‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬واضحة‭: ‬فزيادة‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬بمقدار‭ ‬1‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬قد‭ ‬تخفض‭ ‬غلة‭ ‬القمح‭ ‬بنحو‭ ‬4‭-‬6‭% ‬وغلة‭ ‬الذرة‭ ‬بنحو‭ ‬7‭-‬10‭%. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الجفاف‭ ‬والفيضانات‭ ‬وموجات‭ ‬الحر‭ ‬الشديدة‭ ‬تجعل‭ ‬تخطيط‭ ‬الإنتاج‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬بكثير‭. ‬ويمكن‭ ‬لنوبات‭ ‬الإجهاد‭ ‬الحراري‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬غلات‭ ‬القمح،‭ ‬بينما‭ ‬يمكن‭ ‬للجفاف‭ ‬في‭ ‬أستراليا‭ ‬والأرجنتين‭ ‬أن‭ ‬يضيق‭ ‬المعروض‭ ‬العالمي‭ ‬ويعيد‭ ‬تسعير‭ ‬الأسواق‭ ‬بسرعة‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬المزرعة،‭ ‬تؤدي‭ ‬زيادة‭ ‬احتياجات‭ ‬الري‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬التكاليف‭. ‬كما‭ ‬تتغير‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التسميد‭ ‬وضغوط‭ ‬الآفات‭ ‬ودورات‭ ‬الأمراض‭. ‬ويؤثر‭ ‬الطقس‭ ‬المتطرف‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية؛‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تتضرر‭ ‬الموانئ‭ ‬ومناطق‭ ‬التخزين‭ ‬وممرات‭ ‬النقل‭ ‬بفعل‭ ‬الكوارث‭. ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬تبقى‭ ‬الأحجام‭ ‬مستقرة،‭ ‬تصبح‭ ‬الجودة‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة؛‭ ‬فهطول‭ ‬أمطار‭ ‬مفاجئة‭ ‬أثناء‭ ‬الحصاد،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خسائر‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬الجودة‭.‬

حزام‭ ‬القمح‭ ‬يتحرك‭ ‬شمالاً

يؤثر‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭. ‬فحزام‭ ‬القمح‭ ‬العالمي‭ ‬يتحرك‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬الشمال،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬الأهمية‭ ‬النسبية‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬كندا‭ ‬وروسيا‭ ‬وشمال‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تحدد‭ ‬المخاطر،‭ ‬لأن‭ ‬الجيوسياسة‭ ‬باتت‭ ‬تهيمن‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬التجارة‭ ‬وتقلب‭ ‬الأسعار‭.‬

تنتقل‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬بسرعة‭ ‬عبر‭ ‬أسواق‭ ‬الحبوب‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬للحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬أثر‭ ‬كبير‭ ‬لأن‭ ‬المنطقة‭ ‬محور‭ ‬رئيسي‭ ‬لصادرات‭ ‬القمح‭ ‬العالمية؛‭ ‬فالاضطرابات‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعيدا‭ ‬تسعير‭ ‬الأسواق‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مشكلات‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬والبحر‭ ‬الأسود‭ ‬ترفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬وأقساط‭ ‬التأمين،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬تزيد‭ ‬الاستجابات‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬تقلب‭ ‬السوق‭. ‬وتفرض‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬أحياناً‭ ‬قيوداً‭ ‬على‭ ‬الصادرات‭ ‬لإدارة‭ ‬التضخم‭ ‬المحلي‭ - ‬مثل‭ ‬حظر‭ ‬الهند‭ ‬لصادرات‭ ‬الأرز،‭ ‬وممارسات‭ ‬روسيا‭ ‬الضريبية‭ ‬على‭ ‬الحبوب،‭ ‬وحصص‭ ‬الأرجنتين‭ ‬التصديرية‭ ‬على‭ ‬الذرة‭ ‬والقمح‭.‬

وتشكل‭ ‬الطاقة‭ ‬قناة‭ ‬انتقال‭ ‬أخرى‭. ‬فالتوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬قد‭ ‬ترفع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬تكاليف‭ ‬الأسمدة‭ - ‬خصوصاً‭ ‬النيتروجينية‭ - ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الآلات‭ ‬والتصنيع‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭. ‬كما‭ ‬يمتد‭ ‬تنافس‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين،‭ ‬إلى‭ ‬التجارة‭ ‬الزراعية‭. ‬ويمكن‭ ‬لقرارات‭ ‬الصين‭ ‬بشأن‭ ‬تكوين‭ ‬المخزونات‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬مادياً‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية؛‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬تتحرك‭ ‬الأسواق‭ ‬بدرجة‭ ‬أقل‭ ‬وفق‭ ‬‮«‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬الخالصين‮»‬‭ ‬وبدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬وفق‭ ‬التوقعات‭ ‬وإدارة‭ ‬المخزونات‭.‬

وعندما‭ ‬تجتمع‭ ‬خسائر‭ ‬الإنتاج‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬المناخ‭ ‬مع‭ ‬قيود‭ ‬التصدير‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحروب،‭ ‬تصبح‭ ‬الاختلالات‭ ‬أشد‭: ‬تتفاعل‭ ‬الأسعار‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر،‭ ‬ويتسارع‭ ‬تضخم‭ ‬الغذاء،‭ ‬وتطول‭ ‬طرق‭ ‬الإمداد،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬تتزايد‭ ‬التقلبات‭. ‬فبعدما‭ ‬كانت‭ ‬الدورات‭ ‬الأطول‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬إلى‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬السوق،‭ ‬أصبحت‭ ‬القفزات‭ ‬السعرية‭ ‬الحادة‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬أكثر‭ ‬تكراراً‭ ‬وأكثر‭ ‬وضوحاً‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬تكتسب‭ ‬مخزونات‭ ‬الحبوب‭ ‬العالمية‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬بالغة‭. ‬فالدول‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬المخزونات‭ ‬وإدارتها‭ ‬تمتلك‭ ‬ميزة؛‭ ‬كما‭ ‬تُعامل‭ ‬إدارة‭ ‬المخزون‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متزايد‭ ‬كأداة‭ ‬سياسية‭. ‬وتتطور‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬ومراكز‭ ‬الإنتاج‭: ‬إذ‭ ‬تبقى‭ ‬منطقة‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬محورية‭ ‬لكنها‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر،‭ ‬بينما‭ ‬تستعيد‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية‭ ‬وأستراليا‭ ‬مكانتهما‭. ‬كما‭ ‬تتعمق‭ ‬تبعية‭ ‬الاستيراد‭ ‬عبر‭ ‬إفريقيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬التعرض‭ ‬للصدمات‭ ‬المناخية‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الجيوسياسية‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬كبار‭ ‬المنتجين‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬أسعار‭ ‬القمح‭ ‬العالمية‭ ‬عبر‭ ‬نتائج‭ ‬الحصاد‭ ‬وسياسات‭ ‬التصدير،‭ ‬ما‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬مستقبلاً‭: ‬أمن‭ ‬الإمدادات‭ ‬أم‭ ‬تقلب‭ ‬الأسعار؟‭ ‬وكيف‭ ‬ينبغي‭ ‬لتركيا‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬موقعها‭ ‬الاستراتيجي؟

في‭ ‬المشهد‭ ‬العالمي‭ ‬الحالي،‭ ‬يتداخل‭ ‬هذان‭ ‬المجالان‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬بشدة‭. ‬لكن‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل،‭ ‬يُرجح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ - ‬والأصعب‭ ‬إدارة‭ - ‬هو‭ ‬أمن‭ ‬الإمدادات‭. ‬لماذا؟

‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قيود‭ ‬التصدير‭ ‬والحصص‭ ‬والإجراءات‭ ‬الضريبية‭ - ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تُبرر‭ ‬بـ«حماية‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‮»‬‭ - ‬حالات‭ ‬استثنائية‭. ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الفترات‭ ‬أصبحت‭ ‬فعلياً‭ ‬أدوات‭ ‬سياسة‭ ‬قياسية‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬تقلبات‭ ‬الإنتاج‭ ‬المدفوعة‭ ‬بالمناخ‭ - ‬الجفاف،‭ ‬والأمطار‭ ‬المفرطة،‭ ‬والإجهاد‭ ‬الحراري‭ - ‬تضيف‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬الحصاد‭ ‬وتضعف‭ ‬الاعتمادية‭.‬

‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاضطرابات‭ ‬عبر‭ ‬حوض‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬وممرات‭ ‬اللوجستيات‭ ‬الرئيسية‭ - ‬من‭ ‬قيود‭ ‬التأمين‭ ‬والشحن‭ ‬إلى‭ ‬تعطّل‭ ‬المسارات‭ ‬ومحدودية‭ ‬الموانئ‭ ‬‭- ‬قد‭ ‬تقيد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الإمدادات‭ ‬المادية‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تبدو‭ ‬الموازين‭ ‬العالمية‭ ‬مريحة‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬تظل‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬مهمة‭ ‬بالطبع،‭ ‬لكن‭ ‬تقلب‭ ‬الأسعار‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬نتيجة‭ ‬لعدم‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬الإمدادات‭ ‬والوصول‭ ‬إليها‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬عندما‭ ‬يضعف‭ ‬أمن‭ ‬الإمدادات‭ ‬يتدهور‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬أيضاً‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر،‭ ‬ما‭ ‬الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬لتركيا‭ ‬اتخاذه‭ ‬لتعزيز‭ ‬أمن‭ ‬الإمدادات‭ ‬وإدارة‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬القمح‭ ‬والحبوب؟

1‭) ‬تحول‭ ‬إنتاجي‭ ‬يعزز‭ ‬الاستقرار‭ (‬تأمين‭ ‬الإمدادات‭ ‬المحلية‭)‬

‭ - ‬تخطيط‭ ‬إنتاج‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المياه،‭ ‬وتوسيع‭ ‬اعتماد‭ ‬الأصناف‭ ‬المقاومة‭ ‬للجفاف،‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬تقودها‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزراعة‭ ‬الدقيقة

‭ - ‬توحيد‭ ‬الجودة‭ (‬البروتين،‭ ‬الغلوتين،‭ ‬وزن‭ ‬الهكتوليتر،‭ ‬إلخ‭) ‬وتحسين‭ ‬إدارة‭ ‬الفروق‭ ‬النوعية‭ ‬بين‭ ‬المناطق

‭ - ‬أفق‭ ‬دخل‭ ‬قابل‭ ‬للتنبؤ‭ ‬للمنتجين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وضوح‭ ‬توقيت‭ ‬وآليات‭ ‬الدعم‭ ‬والعلاوات

2‭) ‬إدارة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للمخزونات‭ ‬ونظام‭ ‬عازل‭ ‬فعال‭ (‬درع‭ ‬ضد‭ ‬الصدمات‭)‬

‭ - ‬ينبغي‭ ‬إدارة‭ ‬سياسة‭ ‬المخزون‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بحسب‭ ‬الحجم،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بحسب‭ ‬التقسيم‭ ‬النوعي‭ (‬قمح‭ ‬الخبز‭ ‬مقابل‭ ‬القمح‭ ‬الصلب؛‭ ‬وفئات‭ ‬جودة‭ ‬مختلفة‭)‬

‭ - ‬إطار‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬القواعد‭ ‬يهدئ‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الصدمات‭ ‬دون‭ ‬تشويه‭ ‬أداء‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الطبيعية

3‭) ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬التوريد‭ ‬وتصميم‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ (‬تجنب‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬منشأ‭ ‬واحد‭)‬

‭ - ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التنوع‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الموردة،‭ ‬والتخطيط‭ ‬لطرق‭/‬موانئ‭ ‬بديلة،‭ ‬ومرونة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬التجارية

‭ - ‬توازن‭ ‬استيراد‭-‬تصدير‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬تنافسية‭ ‬الصناعات‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ (‬الدقيق،‭ ‬المعكرونة،‭ ‬البرغل‭) ‬من‭ ‬دون‭ ‬إضعاف‭ ‬حوافز‭ ‬المنتجين

4‭) ‬تموضع‭ ‬تركيا‭ ‬كمركز‭ ‬إقليمي‭ ‬للإمداد‭ ‬والتصنيع‭ (‬رافعة‭ ‬استراتيجية‭)‬

‭ - ‬تشمل‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬الأساسية‭ ‬لتركيا‭ ‬القدرة‭ ‬التصنيعية،‭ ‬والمزايا‭ ‬اللوجستية،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق،‭ ‬والخبرة‭ ‬الصناعية‭ ‬العميقة

‭ - ‬الهدف‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬مصدراً‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬ترسيخ‭ ‬هوية‭ ‬تركيا‭ ‬كمورد‭ ‬مستقر‭ ‬وشريك‭ ‬موثوق،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الأزمات

‭ - ‬الشرط‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬قابلية‭ ‬التنبؤ‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭ ‬والثقة‭ ‬بقواعد‭ ‬اللعبة

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬استهلاك‭ ‬الخبز‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬لماذا‭ ‬واجهت‭ ‬البلاد‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬التنوع‭ ‬المنتجّي‭ ‬نفسه‭ ‬والعلامات‭ ‬التجارية‭ ‬وخلق‭ ‬القيمة‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬وفرنسا؟

هناك‭ ‬تنوع،‭ ‬لكن‭ ‬‮«‬التصنيف‭ ‬والسرد‮»‬‭ ‬لدينا‭ ‬ضعيفان‭. ‬ففي‭ ‬الواقع،‭ ‬تمتلك‭ ‬تركيا‭ ‬تنوعاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬قوياً‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬الخبز‭ ‬ومنتجات‭ ‬المخابز‭. ‬لكننا‭ ‬نواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬ذلك‭ ‬كـ«عائلة‭ ‬منتجات‮»‬‭ ‬متماسكة‭ ‬للأسواق‭ ‬الوطنية‭ ‬والدولية،‭ ‬مدعومة‭ ‬بمعايير‭ ‬جودة‭ ‬موحدة،‭ ‬وبنية‭ ‬أقوى‭ ‬للمؤشرات‭ ‬الجغرافية‭/‬التسجيل،‭ ‬ولغة‭ ‬سرد‭ ‬وهوية‭ ‬وعلامة‭ ‬تجارية‭ ‬متسقة‭.‬

لم‭ ‬يترسخ‭ ‬توحيد‭ ‬الجودة‭ ‬و«لغة‭ ‬جودة‭ ‬الدقيق‮»‬‭ ‬المشتركة‭ ‬بشكل‭ ‬كافٍ‭. ‬ففي‭ ‬ألمانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬يعرف‭ ‬المستهلكون‭ ‬‮«‬شخصية‮»‬‭ ‬الخبز‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬فغالباً‭ ‬ما‭ ‬تهيمن‭ ‬النظرة‭ ‬المتمركزة‭ ‬حول‭ ‬السعر‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬أقوى‭ ‬لتوحيد‭ ‬جودة‭ ‬الدقيق‭ ‬بحسب‭ ‬الاستخدام‭ ‬النهائي،‭ ‬ومعايير‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬الخَبز،‭ ‬والتدريب‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬أنشطة‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬والابتكار‭ ‬وتطوير‭ ‬المنتجات‭ ‬محدودة‭. ‬وينبغي‭ ‬تطوير‭ ‬فئة‭ ‬المنتجات‭ ‬الوظيفية‭ ‬والمركزة‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العمر‭ ‬التخزيني،‭ ‬والتعبئة،‭ ‬وسلسلة‭ ‬التبريد،‭ ‬والابتكار‭ ‬في‭ ‬المنتجات‭ ‬الجاهزة‭ ‬للخبز‭/‬شبه‭ ‬المصنعة‭ ‬عناصر‭ ‬حاسمة‭ ‬لتحويل‭ ‬الاستهلاك‭ ‬إلى‭ ‬مخرجات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬أعلى‭. ‬تركيا‭ ‬تتطور‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬دون‭ ‬إمكاناتها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحجم‭ ‬وقوة‭ ‬العلامات‭ ‬التجارية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬علامة‭ ‬ثقافة‭ ‬الخبز‮»‬‭ ‬المندمجة‭ ‬مع‭ ‬فن‭ ‬الطهو‭ ‬والسياحة‭ ‬لم‭ ‬تتأسس‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭. ‬فالباغيت‭ ‬الفرنسي‭ ‬علامة‭ ‬ثقافية؛‭ ‬حيث‭ ‬تتحرك‭ ‬فنون‭ ‬الطهو‭ ‬والتدريب‭ ‬والمعايير‭ ‬معاً‭. ‬وتمتلك‭ ‬تركيا‭ ‬مقابلات‭ ‬مثل‭ ‬سومون،‭ ‬وبازلاما،‭ ‬ولافاش،‭ ‬وبيده،‭ ‬ويوفكا،‭ ‬وتندير،‭ ‬لكن‭ ‬التنسيق‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ضعيفاً‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬ببناء‭ ‬‮«‬علامة‭ ‬وطنية‭ ‬مظلة‮»‬‭.‬

وتحد‭ ‬قضايا‭ ‬الهدر‭ ‬والكفاءة‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭. ‬فجزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬يرتبط‭ ‬بالهدر‭. ‬والهدر‭ ‬يرفع‭ ‬التكاليف،‭ ‬ويضعف‭ ‬تصور‭ ‬الجودة،‭ ‬ويقوض‭ ‬ادعاءات‭ ‬الاستدامة‭. ‬أما‭ ‬تقليله‭ ‬فيخلق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وبيئية‭.‬

تحديد‭ ‬‮«‬مسارات‭ ‬الخبز‭ ‬التركية‮»‬

هل‭ ‬يدرك‭ ‬القطاع‭ ‬هذا‭ ‬الثراء؟

جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬يدركه‭ - ‬خاصة‭ ‬الشركات‭ ‬الكبيرة‭ ‬حيث‭ ‬تنمو‭ ‬الابتكارات‭ ‬والمنتجات‭ ‬المعبأة‭ ‬والقدرات‭ ‬التصديرية‭. ‬لكن‭ ‬بصورة‭ ‬عامة،‭ ‬وبسبب‭ ‬تجزؤ‭ ‬منظومة‭ ‬الخَبز،‭ ‬والفجوات‭ ‬في‭ ‬التوحيد‭ ‬والتدريب،‭ ‬وضعف‭ ‬هندسة‭ ‬العلامة‭ ‬والمنتج،‭ ‬لم‭ ‬يُترجم‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الثراء‮»‬‭ ‬بعدُ‭ ‬بالكامل‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭.‬

كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبدو‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬عملية‭ ‬لتحويل‭ ‬تنوع‭ ‬الخبز‭ ‬التركي‭ ‬إلى‭ ‬علامة‭ ‬وطنية‭ ‬أقوى‭ ‬ومنتجات‭ ‬أعلى‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة؟

ينبغي‭ ‬توثيق‭ ‬الأنواع‭ ‬وتحديد‭ ‬معايير‭ ‬جودة‭ ‬واضحة‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬ربط‭ ‬المنتجات‭ ‬الإقليمية‭ ‬بسرد‭ ‬وطني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المؤشرات‭ ‬الجغرافية‭ ‬ومظلة‭ ‬علامة‭ ‬وطنية‭. ‬ويجب‭ ‬إدراج‭ ‬حوافز‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬للمنتجات‭ ‬المتخصصة‭ ‬والوظيفية‭ ‬ضمن‭ ‬الأجندة‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬تقليل‭ ‬الهدر،‭ ‬ينبغي‭ ‬تحويل‭ ‬التركيز‭ ‬نحو‭ ‬الحلول‭ ‬المعبأة‭ ‬والمجزأة‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬دمج‭ ‬فن‭ ‬الطهو‭ ‬والسياحة،‭ ‬يمكن‭ ‬تطوير‭ ‬مبادرات‭ ‬حول‭ ‬موضوعات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬مسارات‭ ‬الخبز‭ ‬التركية‮»‬‭.‬

وأخيراً،‭ ‬ما‭ ‬الرسالة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تودون‭ ‬توجيهها‭ ‬إلى‭ ‬المنتجين‭ ‬والصناعيين‭ ‬وصناع‭ ‬السياسات؟

إن‭ ‬قطاع‭ ‬الحبوب‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للزراعة،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬للأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ورسالتنا‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬UHK‭ ‬واضحة‭: ‬إن‭ ‬نموذج‭ ‬إنتاج‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والتخطيط،‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬المياه‭ ‬ويُبنى‭ ‬بمشاركة‭ ‬جميع‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة،‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭.‬

مقالات في فئة مقابلة