كان من الممكن وصف أسواق الحبوب قبل بضع سنوات بأنها راكدة نسبياً وقابل للتنبؤ بها. أما اليوم، يتعامل المستخدمون الصناعيون في جميع أنحاء العالم مثل المطاحن ومنتجو الأعلاف الحيوانية وشركات معالجة الحبوب مع تقلبات غير مسبوقة مع ارتفاع أسعار الحبوب بشكل حاد في موسم الحصاد هذا.

سنلقي نظرة في هذا المقال على أسواق الحبوب بشكل عام وسوق القمح بشكل خاص. تأثرت روسيا، مصدّر القمح الرائد في العالم، بسبب انخفاض المحاصيل والقيود الحكومية على تصدير الحبوب في عام 2021. حيث زادت الحكومة الروسية الضرائب على تصدير الحبوب لآخر مرة في عام 2021. يمكننا أن نقول أن ديد موروز، وهو بابا نويل الروسي، لم يكن كريماً مع مشتري الحبوب الروس في موسم العطلات هذا! بالإضافة إلى ذلك، أعلنت وزارة الزراعة الروسية مؤخراً عن فرض كوتا على تصدير الحبوب وهي 11 مليون طن، 8 ملايين منها هي على القمح وذلك للفترة ما بين 15 فبراير- 30 يونيو 2022. ومن المثير للاهتمام أن صادرات القمح الروسية لشهر ديسمبر تقدر حالياً بحوالي نصف هذا الرقم، أي 3.9 مليون طن. كانت الجزائر الوجهة الأمثل للقمح الروسي في ديسمبر 2021، حيث شُحن إليها حتى الآن حوالي 200.000 طن. قد يكون نجاح روسيا في الجزائر أحد الأسباب وراء التقليل إلى حد ما من بهجة نهاية العام في بورصة ماتيف للمعاملات الآجلة
يشير الرسم البياني لمعهد دراسات السوق الزراعية IKAR ومقره موسكو، والذي يبين تكلفة الخدمات اللوجستية للحبوب المحلية والخارجية في روسيا، إلى زيادة تدريجية ملحوظة في أهمية سوق الحبوب المحلي في العام الجديد. و إذا استمر هذا الاتجاه، فيمكننا القول إن السوق المحلي قد يسحب الحبوب تدريجياً نحو مناطق الداخل على حساب صادرات الحبوب الروسية.
بدلاً عن ذلك، اكتسبت أوكرانيا، وهي قوة عظمى أخرى للحبوب في البحر الأسود، مكانة بارزة في سوق الحبوب العالمي هذا الموسم. فبعد حصاد قمح قياسي يقدر بأكثر من 32.5 مليون طن، تخطط أوكرانيا لتصدير 25.3 مليون طن من القمح. كما أعلنت السلطات الأوكرانية أنها لا تعتزم فرض أي قيود على صادرات الحبوب بأي شكل من الأشكال. وسيتم تحسين البنية التحتية للحبوب في أوكرانيا بشكل أكبر في السنوات القادمة لصالح المنتجين المحليين والمستهلكين النهائيين، لأن هناك توفيرات كبيرة يمكن تحقيقها في هذا المسار.
تعتبر الأحوال الجوية من أهم العوامل في أسعار الحبوب. حيث يمكن لعاصفة شتوية شديدة أن توقف ببساطة حركة السفن المحملة بالحبوب. وعندما تكون الظروف الملاحية قاسية بالنسبة للسفن الصغيرة في آزوف، عندما تكون البنية التحتية الرئيسية للموانئ غير كافية بسبب ظروف الطقس البارد والجليد، يمكن لذلك أن يقلل العرض ويرفع الأسعار في تسليم البضائع.

كان لديناحتى الآن شتاء معتدل إلى حد ما في كل من أوروبا والبحر الأسود. وكانت الطبيعة الأم متساهلة للغاية حتى الآن، ولم تتحقق توقعات درجات الحرارة المتجمدة في البحر الأسود لأن درجات الحرارة الباردة لم تدم طويلاً ولم تسبب أضراراً كبيرة حتى الآن. لكن، في جنوب روسيا وجنوب أوكرانيا، هناك قلق من أن الطقس البارد سيؤثر سلباً على المحصول لعدم وجود الغطاء الثلجي.
تعد أحوال الطقس مصدر قلق في نصف الكرة الجنوبي أيضاً. فعلى غرار العام الماضي، عرضت ظاهرة الطقس لا نينا نفسها بالفعل في أجزاء من البرازيل، أكبر مصدر لفول الصويا في العالم. حيث يمكن أن تسبب لا نينا حالات جفاف ونقص المحاصيل، مما يؤدي إلى مزيد من الارتفاعات في المواد الغذائية. بارانا هي المنطقة الوحيدة حتى الآن التي شهدت خسائر كبيرة بسبب الجفاف. ولا يزال جنوب البرازيل هو محور الاهتمام. وفي ريو غراندي دو سول، إحدى أكثر ولايات الأرجنتين زراعة للقمح، تم الانتهاء من الزراعة في ظروف شبه مثالية. إن هطول الأمطار بمعدلات أقل من المتوسط أثناء الزراعة يعني أن إعادة الزراعة مطلوبة في بعض المزارع. كما سيعتمد المحصول إلى حد كبير على الهطولات المطرية القادمة.

بعد ثلاث سنوات من الجفاف الشديد والمحصول غير الكافي، حققت أستراليا عودة ملحوظة في أسواق الحبوب، مع حصادها الثاني من القمح الوفير. حيث تقدر شركة استشارات الحبوب الأسترالية Ikon Commodities محصول القمح في البلاد بـ 39 مليون طن، بينما تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) محصولاً قدره 34 مليون طن. وأدى التوافر المتجدد للحبوب الأسترالية بعد النقص المتكرر في الآونة الأخيرة إلى تقصير طرق التجارة وتحسين الخدمات اللوجستية للمستوردين الرئيسيين في البلدان الآسيوية المجاورة. بطبيعة الحال، تؤدي طرق التجارة الأطول إلى ارتفاع أسعار الشحن، مما يجعل الحبوب في أكثر تكلفة في الوجهات البعيدة، خاصة في الوضع الحالي الذي ترتفع فيه أسعار الطاقة.
إن حجز الصين 500 ألف طن من قمح العلف من أستراليا للفترة من أبريل إلى مايو قد يشير إلى التحسن الذي طال انتظاره في ظل التوترات السياسية والتجارية بين البلدين مؤخراً. حيث كان التوتر بين البلدين أحد أكبر المخاوف في أسواق الحبوب العالمية وأثر على قرارات الشراء في السنوات القليلة الماضية. عندما تسود الجغرافيا السياسية، تفقد حينها الأسعار، وهي عامل حاسم في قرارات الشراء، معناها وتؤثر على صلاحية آليات السوق الرئيسية، وهذا بدوره يؤثر بشكل خطير على تدفقات التجارة العالمية.

إن طلب الصين المتزايد على الحبوب والبذور الزيتية يواصل لعب دور رئيسي في تحفيز النمو في الصادرات الزراعية على مستوى العالم. وتواصل الصين استيراد المزيد من الحبوب والمواد الغذائية الأخرى هذا الموسم حيث يحاول الإنتاج المحلي مواكبة الاستهلاك المحلي. بالإضافة إلى ذلك، يتزايد الطلب على الأعلاف مع عودة عدد الخنازير وحيوانات الماشية الأخرى إلى وضعها السابق بعد وباء أنفلونزا الخنازير، مدفوعاً بالنمو الاقتصادي. وبحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، ستمتلك الصين 69٪ من احتياطي الذرة في العالم، و 60٪ من مخزون الأرز في العالم، و 51٪ من مخزون القمح العالمي في النصف الأول من عام 2022.
وفقاً لجريدة الأعمال اليابانية Nikkei Asia، زادت واردات الصين من فول الصويا والذرة والقمح بمقدار ضعفين إلى اثني عشر ضعفاً في آخر خمس سنوات، مدفوعة بالمشتريات المكثفة من الولايات المتحدة والبرازيل وموردين آخرين. كما زادت الواردات من لحوم البقر والخنازير ومنتجات الألبان والفاكهة من ضعفين إلى خمسة أضعاف.
نتيجة لهذاالاندفاع المجنون في الواردات الصينية، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء العالم. كان مؤشر أسعار المواد الغذائية، الذي حسبته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في نوفمبر، أعلى بنحو 30٪ مما كان عليه قبل عام. وفي تقييمه لارتفاع الأسعار، قال أكيو شيباتا، رئيس معهد أبحاث الموارد الطبيعية ومقره اليابان، «التخزين في الصين هو أحد أسباب ارتفاع الأسعار».
على الرغم من الرقم القياسي في إنتاج الحبوب العالمبي البالغ 2.287 مليون طن الذي توقعه مجلس الحبوب الدولي لموسم 2021/22، تشير التقديرات إلى أن الاستهلاك العالمي لهذا العام سيكون عند 2.290 مليون طن وهو مستوى قياسي. أما مخزون الحبوب العالمي فمن المتوقع أن يصل في نهاية الموسم إلى 600 مليون طن.
كان من الممكن وصف أسواق الحبوب قبل بضع سنوات بأنها راكدة نسبياً وقابل للتنبؤ بها. أما اليوم، يتعامل المستخدمون الصناعيون في جميع أنحاء العالم مثل المطاحن ومنتجو الأعلاف الحيوانية وشركات معالجة الحبوب مع تقلبات غير مسبوقة مع ارتفاع أسعار الحبوب بشكل حاد في موسم الحصاد هذا. في الوقت نفسه، ترتفع أسعار مدخلات مثل الأسمدة ومنتجات الحماية الزراعية، إلى جانب أسعار السلع الأخرى، بما في ذلك الطاقة، مما يؤثر على تكاليف الإنتاج.
بالحديث عن الأسمدة، دعونا نلقي نظرة على المؤشر العالمي للطلب على الأسمدة العالميةNPK ، وهو اختصار للعناصر الغذائية الأساسية الثلاثة لنمو النبات وهي N (النتروجين)،P (الفوسفور )، K (البوتاسيوم). أغلق مؤشر NPK في عام 2021 بضربة كبيرة للغاية. هل ينذر هذا بارتفاع أكثر للمدخلات لعام 2022؟ ستكون الكرة البلورية مفيدة للتنبؤ، حيث يستمر المؤشر في تجاوز أكثر التوقعات بعيدة الحصول مثل Energizer Bunny ! سيتيوس، ألتيوس، فورتيوس! (أسرع، أعلى، أقوى) أو ربما هل يأتي تعديل على الأسعار قريباً؟
في غضون ذلك، يحول اللاعبون في سوق الحبوب انتباههم إلى المحصول الجديد. حيث وافق الأردن، وهو مستورد رئيسي للقمح، مع رومانيا على محصول جديد من القمح ليتم تسليمه في 15 يونيو، حيث تبيع رومانيا بسعر 10-15 دولارا للطن أقل من دول البحر الأسود الأخرى لجذب المشترين المحتملين.
إن بداية العام يشجع على الاعتقاد بأن العام الجديد سيكون رائعاً ويزرع بذور الموقف الصحيح لكل لاعب في السوق. إلى جانب الامتثال للأسس القديمة الجيدة، ومراقبة الطقس والمد والجزر الجيوسياسي عن كثب، والتفكير خارج الصندوق ومحاولة الخروج بأفكار جديدة جيدة، سيمنح الجميع فرصة جيدة للمكافأة العام المقبل. مرحباً بكم في عام آخر مليء بالتحديات ولكنه رائع!