مع الارتفاع السريع في الطلب العالمي على مصادر البروتين النباتي والمستدام، يشدّد الخبراء على أن قطاع البقوليات يحتاج إلى استثمارات جدية في مجالات الكفاءة، والبحث، وموثوقية التجارة من أجل تحقيق إمكاناته. وفي حال عدم تحقيق ذلك، قد تعجز هذه المجموعة من المنتجات عن تلبية احتياجات التغذية للسكان المتزايدين في العالم.
شهدت ندوة البقوليات التي أُقيمت ضمن مؤتمر الحبوب التابع للمجلس الدولي للحبوب (IGC) في لندن، اجتماع نخبة من الخبراء البارزين في هذا المجال، وذلك بهدف مناقشة مستقبل البقوليات في سياق النمو السكاني، وتغير العادات الغذائية، والحاجة إلى بناء نظم غذائية مقاومة لتغير المناخ. وشارك في الندوة كل من سودهاكار تومار، رئيس تحالف الزراعة الهندي-الشرق أوسطي (IMEAA)، وفيليبو رودا، كبير محللي السوق في شركة Areté، وديباك باريك، كبير الخبراء الاقتصاديين في HnyB Tarچm، وعضو مجلس إدارة الاتحاد العالمي للبقوليات ميلان شاه.
في افتتاحية الندوة، وصف سودهاكار تومار البقوليات بأنها االأغذية الفائقة في عالم السلعب، مشدداً على المساهمات الفريدة لهذه المنتجات من حيث القيمة الغذائية، والاستدامة البيئية، وصحة التربة. وأشار إلى أن التركيز غالباً ما يكون منصباً على منتجات مثل القمح والذرة وفول الصويا، إلا أن البقوليات تحدِث بهدوء تحولاً في مجالات الأمن الغذائي والتغذية. وقال تومار: ارغم أنها لا تهيمن على الأسواق مثل القمح أو القهوة، فإن البقوليات منتجات لا غنى عنها للزراعة المقاومة للمناخ، ومنخفضة الكربون، وخالية من الكائنات المعدلة وراثياً، وخالية من مسببات الحساسية، كما تعزز الزراعة التصحيحية.س
أشار تومار إلى أن إنتاج البقوليات العالمي قد تضاعف خلال الخمسين سنة الماضية ليصل إلى حوالي 100 مليون طن، ويتوقع أن يصل هذا الرقم إلى مستوى 125 مليون طن بحلول عام 2032. أما حجم التجارة فقد ارتفع عشر مرات، من 2 مليون طن في عام 1980 إلى 21 مليون طن اليوم. ومع ذلك، تمثل هذه الكمية فقط 20% من إجمالي الإنتاج. بينما تحتل الهند موقع أكبر منتج وأكبر مستورد، تبرز دول مثل كندا، أستراليا، ميانمار وروسيا كدول رائدة في التصدير. أما الصين، فهي الآن في وضعية مستورد صافٍ.

الاستهلاك الفردي مستقر على مستوى العالم
رغم نمو التجارة، انخفض متوسط استهلاك البقوليات للفرد على مستوى العالم من 8ذ9 كيلوغرام في ستينيات القرن الماضي إلى 6ذ7 كيلوغرام اليوم. ويرجع هذا الانخفاض إلى برامج الأمن الغذائي التي تعتمد بشكل رئيسي على الحبوب، بالإضافة إلى الزيادة السريعة في السكان. ومع ذلك، تعيد الاتجاهات نحو التغذية الصحية والنظام الغذائي النباتي في أمريكا الشمالية وأوروبا تنشيط الاهتمام بالبقوليات.
أكد تومار على ضرورة ألا يقتصر دور الدول المصدّرة على التجارة فقط، بل يجب عليها أيضاً تعزيز أنظمة الاستهلاك المحلية، خاصة في مناطق مثل جنوب آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط. كما دعا إلى تشجيع إنتاج البقوليات من خلال ائتمانات الكربون والتمويل المناخي. وقال تومار: اتلعب البقوليات دوراً رئيسياً في تقليل الانبعاثات وتحسين صحة التربة. من الضروري أن يأخذ صناع السياسات هذا المساهمات في الاعتبار.س
عجز الإنتاج في الهند وطرق الحل
تناول ديباك باريك في الندوة قطاع البقوليات في الهند بالتفصيل، مشيراً إلى أن البلاد تنتج سنوياً 24 مليون طن وتستهلك 28 مليون طن، ويتم سد الفارق من خلال استيراد 7 ملايين طن. وحذر من أنه إذا لم تتحسن الكفاءة الإنتاجية، فقد يرتفع حجم الاستيراد إلى 9ذ10 ملايين طن بحلول عام 2035.
الإجراءات الرئيسية التي اتخذتها الهند لسد هذا العجز هي:
- تطوير أصناف جديدة يمكنها تحقيق إنتاج يزيد عن 2 طن لكل هكتار
- إجراء بحوث تعديل جيني معتمدة على تقنية CRISPR لأصناف مقاومة للجفاف ولها فترة نمو أقصر
- تخصيص ميزانية بقيمة 300 مليون دولار للبحث والتطوير واستثمارات البنية التحتية
أوضح باريك أنه مع تحقيق تقدم خاص في محصول البازلاء الحمامية، قد تتجه الهند إلى تقليل الواردات من بعض أنواع البقوليات بحلول عام 2027. لكنه شدد على ضرورة تنسيق كل من الإنتاج المحلي وسياسة الاستيراد خلال هذه العملية، محذراً من أن عدم القيام بذلك قد يؤدي إلى تأثيرات صادمة على التغذية والاقتصاد
انخفض إنتاج البقوليات في الاتحاد الأوروبي
عبّر فيليبو رودا من شركة Areté عن تراجع إنتاج البقوليات في الاتحاد الأوروبي بنسبة 5% خلال السنوات الخمس الماضية. وعلى الرغم من الحوافز المقدمة في إطار سياسة الزراعة المشتركة للاتحاد الأوروبي (CAP)، فإن تلبية توازن العرض والطلب تتطلب زيادة الإنتاج بنسبة 20ذ30%. ومع ذلك، يبدو أن تحقيق هذا الهدف غير ممكن دون استبدال منتجات أكثر ربحية مثل القمح أو الشوندر السكري.
أما المعوقات الهيكلية التي تواجه أوروبا فتتمثل في:
عدم توافق السياسات بين الدول الأعضاء
محدودية الأراضي الزراعية
نقص الاستثمارات الخاصة بالبحث والتطوير في مجال البقوليات
أكبر تحدي هو موثوقية التجارة
قال ميلان شاه من الاتحاد العالمي للبقوليات إن قطاع البقوليات يعد من أكثر القطاعات تشوهاً في الزراعة العالمية، حيث تعيق التعريفات الجمركية والدعم والسياسات غير المتوقعة تطور القطاع. وأضاف شاه: اموثوقية الطلب تجلب موثوقية العرض. تغييرات السياسات المفاجئة مثل حظر الاستيراد تقوض ثقة المنتجين.س
وفي هذا السياق، أبرز شاه ثلاثة احتياجات أساسية وهي:
استثمارات أقوى في البحث والتطوير (حالياً الإنفاق العالمي على البحث والتطوير في البقوليات أقل من 100 مليون دولار، بينما يتجاوز 20 مليار دولار في القمح والحبوب)
هياكل تجارية مستقرة ومنفتحة
توعية المستهلكين بقيمة البقوليات الغذائية والوظيفية
الطلب على الأغذية الوظيفية والمنتجات ذات القيمة المضافة في تزايد
على الرغم من أن تجارة البقوليات لا تزال تتركز بشكل رئيسي في جنوب آسيا، أشار شاه إلى أن الطلب على أشكال البقوليات ذات القيمة المضافة في الاتحاد الأوروبي، وأمريكا الشمالية، وشرق آسيا (مثل البروتين النباتي، وأعلاف الحيوانات الأليفة، والمخبوزات، ومكونات الوجبات الخفيفة) يشهد ارتفاعًا سريعاً. وأضاف: اقد تظل الكميات في الغرب صغيرة، لكن هوامش الربح وتعقيد السوق تنمو بسرعة.س
واتفق جميع المشاركين في الندوة على نقطة مشتركة ألا وهي أن مستقبل البقوليات سيُشكّل بواسطة تنسيق السياسات، واستثمارات بحثية قوية، وممارسات تجارية مسؤولة. تقدم البقوليات جسراً فريداً بين الإنتاجية والاستدامة. وختم سودهاكار تومار الندوة بالقول: االبقوليات ليست مجرد محصول زراعي، بل هي أيضاً حلّ مناخي، وحلّ صحي، وفرصة اقتصادية. فلنستثمر معاً في مستقبل نظامنا الغذائي المليء بالبروتين.س