إن أكبر مستورد للقمح في العالم يسعى، في مواجهة ازدياد تقلبات الأسواق العالمية، إلى تعزيز أمنه الغذائي من خلال إطلاق برنامج طموح للاستثمار في الصوامع. وتهدف الحكومة إلى إنشاء طاقة تخزين حديثة إضافية تقارب 1.5 مليون طن، ورفع الاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب إلى ما يزيد على 6 مليون طن.
أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن البرنامج الجديد خلال قمة تحالف مكافحة الجوع والفقر العالمي التي عُقدت في الدوحة، واصفاً هذه المبادرة بأنها الركيزة الأساسية لاستجابة القاهرة لصدمات الإمداد، وتقلبات الأسعار، والتوترات الجيوسياسية.
حيث يقضي البرنامج الجديد بإنشاء نحو 50 منشأة صوامع في 17 محافظة، تمتد من دلتا النيل إلى مناطق الإنتاج الرئيسية في صعيد مصر. ويأتي هذا التوجّه استكمالًا لمشروع الصوامع الوطني الذي أُطلق قبل أكثر من عقد، والذي أحدث تحولاً جذرياً في منظومة تخزين الحبوب في مصر.
في الماضي، وبسبب قدم البنية التحتية للتخزين وعدم كفايتها، كانت الخسائر بعد الحصاد تصل إلى نحو 15%. وبالنظر إلى أن إنتاج مصر من القمح يبلغ قرابة 9 مليون طن، كان ذلك يعني تلف ما يقرب من مليون طن من المحصول سنوياً، وإهدار قيمة اقتصادية تُقدر بنحو 136 مليون دولار. أمّا اليوم، وبفضل المنشآت المجهّزة بأنظمة تهوية حديثة، وتقنيات مكافحة الآفات، وحلول المراقبة الرقمية، فيُفاد بأن الخسائر انخفضت إلى أقل من 1%، مع إيصال حبوب أكثر أماناً إلى المطاحن.
أكد رئيس الوزراء مدبولي في كلمته بالدوحة أن «الأمن الغذائي لمصر ليس قابلاً للتفاوض». ومع تذكيره بأن الاستهلاك الشهري من القمح يبلغ نحو 800 ألف طن، شدّد على ضرورة احتفاظ البلاد بمخزونات تكفي لتلبية الطلب لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر. وأوضح أن برنامج الصوامع الجديد صُمّم ليس فقط لتأمين الإمدادات المحلية، بل أيضاً لتحويل مصر إلى دولة محورية أكثر موثوقية ضمن النظام الإقليمي للحبوب.
وفي هذا الإطار، طرح مدبولي خطة إنشاء «مركز تخزين الحبوب العالمي» في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهي مبادرة جرى تطويرها بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. ومن المقرر أن يعمل هذا المركز كقاعدة مخزون احتياطية إقليمية لشمال إفريقيا والشرق الأوسط. ويهدف المشروع، مستفيداً من الموقع الاستراتيجي لمصر عند ملتقى أوروبا وآسيا وإفريقيا، إلى تجاوز دور تعزيز الأمن الغذائي الوطني فحسب، وصولًا إلى ترسيخ مكانة مصر كنقطة ارتكاز إقليمية في احتياطيات الحبوب ولوجستياتها.
الاعتماد على الاستيراد في القمح
تواجه مصر، التي يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة وتُعدّ من أعلى دول العالم استهلاكاً للقمح بنحو 180 كغم للفرد سنوياً، فجوة هيكلية في المعروض. ولتعزيز الإمدادات المحلية، تستورد البلاد سنوياً قرابة 12 مليون طن من القمح. ووفقًا لبيانات منظمة الأغذية والزراعة، بلغ متوسط إنتاج مصر من الحبوب خلال الفترة 2021–2023 نحو 21.7 مليون طن. غير أن تلبية الطلب المحلي استلزمت استيراد متوسط سنوي قدره 20.3 مليون طن من الحبوب، تتركّز أساساً في القمح والذرة.
وقد أدّت الاضطرابات التي أصابت صادرات الحبوب من منطقة البحر الأسود بسبب الحرب الروسية–الأوكرانية، إضافة إلى مشكلات الشحن والأمن على مسار البحر الأحمر، إلى زيادة تكاليف الاستيراد وتعقيد التخطيط اللوجستي لمصر. وفي مثل هذه الظروف، باتت القدرة التخزينية القوية والواسعة تمثّل أحد أهم خطوط الدفاع الاستراتيجية للبلاد.
ومع رفع الاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب إلى مستوى 6 مليون طن، تسعى مصر إلى الانتقال من وضع هشّ في عام 2014، حين كانت مخزونات القمح تكفي لنحو خمسة أسابيع فقط من الاستهلاك، إلى نطاق أمان أكثر راحة يتيح تغطية الطلب المحلي لمدة تتراوح بين 7 و8 أشهر.
مصر تتجه إلى توطين إنتاج الصوامع
تعمل الحكومة في القاهرة على تسريع تشغيل شبكة الصوامع الجديدة وتعزيز القيمة المضافة المحلية، من خلال التركيز على الشراكات الدولية وسياسات التوطين. وفي هذا السياق، أعلنت شركة فيروم مصر التابعة لمجموعة فيروم البولندية عن خطط لاستثمار نحو 33 مليون دولار لإنشاء مصنع لإنتاج الصوامع داخل المنطقة الصناعية بشرق بورسعيد، الواقعة ضمن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ويهدف هذا المصنع إلى تصنيع الصوامع والمعدات المرتبطة بها محلياً..
ومن خلال هذه الخطوة، تسعى مصر إلى تقليص اعتمادها على المعدات المستوردة، وخلق فرص عمل إضافية في مجالات الهندسة والتصنيع والإنشاءات، فضلاً عن تعزيز العائد الاقتصادي لبرنامج الصوامع الجديد.