يعمد المزارعون في روسيا إلى تسريع مبيعات الحبوب والبذور الزيتية بمعدلات غير مسبوقة. ووفقاً لشركة الاستشارات الزراعية سوف إيكون (SovEcon) ومقرّها منطقة البحر الأسود، فإن هذا التطور يعكس حالة ضيق مالي حاد، ويشير إلى احتمال استمرار الضغوط النزولية على كلٍّ من الأسواق المحلية والعالمية.
وفقاً لبيانات هيئة الإحصاء الرسمية الروسية روستات (Rosstat)، بلغت مبيعات الحبوب في روسيا خلال شهر سبتمبر نحو 11 مليون طن، وهو أعلى حجم مبيعات شهري يُسجَّل على الإطلاق. وفي الشهر نفسه، سجّلت مبيعات البذور الزيتية مستوى قياسياً لشهر سبتمبر عند 1.7 مليون طن، كما لامست أعلى مستوى تاريخي على الإطلاق المسجّل في عام 2020، قبل فرض رسوم تصدير بذور عباد الشمس.
وفي شهر أكتوبر، بلغت مبيعات الحبوب 9.3 مليون طن، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ أكتوبر 2022، حين تم بيع محصول قياسي بلغ 9.9 مليون طن. أمّا مبيعات البذور الزيتية فقد قفزت إلى 3 مليون طن، لتقترب من الذروة التاريخية البالغة 3.1 مليون طن والمسجّلة في ديسمبر 2023، مسجّلة بذلك ثاني أعلى نتيجة شهرية في التاريخ.
القروض وتكاليف الزراعة وتراجع الدخل تدفع المزارعين إلى البيع
تعزو SovEcon هذا التسارع في وتيرة المبيعات مباشرةً إلى تضاؤل هوامش الربح وتزايد ضغوط السيولة النقدية. ووفقاً لحسابات الشركة، بلغ الدخل قبل الضرائب لمنتجي الحبوب والبذور الزيتية 67 مليار روبل خلال الفترة من يناير–أغسطس 2025، وذلك على أساس افتراض سعر صرف الدولار الأمريكي للروبية 78.6 ويمثل هذا الرقم تراجعاً بنسبة 25% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق.
نتيجة هذا الضغط على الربحية، يضطر العديد من المنتجين إلى طرح مخزوناتهم في السوق بوتيرة متسارعة. ووفقاً لـ SovEcon، تتمثل العوامل الرئيسية التي تدفع المزارعين إلى البيع فيما يلي:
سداد القروض القائمة،
تمويل زراعات المحاصيل الشتوية وتغطية تكاليف المدخلات.
وفي المحصلة، يتدفّق عرض الحبوب والبذور الزيتية إلى الأسواق على شكل موجات متتالية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
إن ارتفاع وتيرة مبيعات المزارعين انعكس أيضاً على أسعار السوق المحلية. ففي روسيا، تراجع متوسط سعر قمح الخبز بنسبة بروتين 12,5% إلى 13.600 روبل للطن بحلول منتصف نوفمبر، مسجلًا انخفاضًا بنحو %7 مقارنة بمطلع أغسطس. أما أسعار بذور دوّار الشمس فانخفضت إلى 35.675 روبلا للطن الواحد، أي أقل بحوالي %2 من الذروة المسجلة في بداية الموسم.
وفي تقييمه للوضع، قال مدير SovEcon أندريه سيزوف: نتوقع أن يواصل المزارعون تسريع وتيرة تصريف مخزوناتهم خلال الأشهر المقبلة، وأن يستمر ذلك في ممارسة ضغط هبوطي على كل من الأسواق المحلية والعالمية. وطالما ظلت قيود التصدير الحالية سارية، فمن المرجّح أن يتدهور الوضع المالي للقطاع بشكل أكبر خلال السنوات القادمة.
تعديل توقعات إنتاج القمح لعام 2025 ارتفاعاً
رفعت SovEcon توقعاتها لإنتاج القمح الروسي في عام 2025 بمقدار 0,8 مليون طن ليصل إلى 88,6 مليون طن. ويعود هذا التعديل في الأساس إلى تسجيل مردودات أعلى من المتوقع في المناطق الداخلية من البلاد، وذلك على النحو التالي:
سيبيريا: في المنطقة التي أوشك الحصاد فيها على الاكتمال، جاءت الغلال قريبة جداً من المستويات القياسية التاريخية أو عندها. وبناءً عليه، رُفعت التوقعات لهذه المنطقة بمقدار +0,4 مليون طن.
منطقة الفولغا: تم تعديل التقديرات بالزيادة بنحو +0,2 مليون طن.
منطقة الأورال: بفضل الأداء القوي للمحاصيل حتى نهاية الموسم، تم رفع توقعات الإنتاج بمقدار +0,2 مليون طن.
غير أن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة في الإنتاج يتركّز في مناطق داخلية تبعد آلاف الكيلومترات عن الموانئ البحرية، ما يشكّل عائقاً لوجستياً يحدّ من قدرة هذه الكميات على التوجه سريعاً إلى التصدير.
في المقابل، يواصل جنوب روسيا، الذي يُعد البوابة الرئيسية لصادرات الحبوب عبر البحر الأسود، تسجيل موسم حصاد ضعيف هذا العام أيضاً، وهو ما يلقي بظلاله على الصورة العامة. ضعف المحصول في الجنوب، إلى جانب القيود اللوجستية والسياسات التنظيمية القائمة، يقيّد إمكانات التصدير بشكل واضح.
وفي هذا السياق، لخّص أندريه سيزوف، مدير شركة SovEcon، الوضع قائلاً إن معظم الزيادات الأخيرة في الإنتاج جاءت من مناطق بعيدة عن موانئ التصدير، في حين شهد الجنوب، وهو مركز التصدير الأهم لروسيا، موسماً ضعيفاً للعام الثاني على التوالي. وأشار إلى أن هذا الواقع يشكّل تحدياً جدياً لموسم 2025/2026، وهو ما يفسر بقاء شحنات القمح الروسي دون متوسطها المعتاد حتى الأسابيع القليلة الماضية.
تقديرات أولية لعام 2026: مشهد القمح له ثلاثة سيناريوهات
شاركت شركة SovEcon أيضاً تقديراتها الأولية لمحصول القمح في روسيا لعام 2026. وبحسب السيناريو الأساسي، تتوقع المؤسسة أن يبلغ الإنتاج 83,8 مليون طن. ويستند هذا السيناريو المرجعي إلى الافتراضات التالية:
مساحة زراعة القمح: 26,3 مليون هكتار،
هي أقل من المساحة المزروعة في الموسم الحالي، البالغة 26,9 مليون هكتار.
إلى جانب التقدير المركزي، تم الإعلان عن سيناريوهين بديلين أيضاً:
السيناريو المتفائل: 87,9 مليون طن، بافتراض توافر ظروف جوية مواتية وتحقيق غلال مرتفعة.
السيناريو المتشائم: 79,8 مليون طن، مع أخذ تأثيرات محتملة للظروف الجوية القاسية أو الصدمات المرتبطة بالسياسات في الحسبان.
إلى جانب القمح، أجرت SovEcon تعديلات طفيفة على توقعاته المتعلقة بمحاصيل حبوب رئيسية أخرى:
تم رفع تقدير إنتاج الشعير لعام 2025 بمقدار 0,2 مليون طن ليصل إلى 19,3 مليون طن.
في المقابل، جرى خفض تقدير إنتاج الذرة بمقدار 0,2 مليون طن ليتمّت مراجعته إلى 12,7 مليون طن.
في العموم، تُقدّر SovEcon إجمالي إنتاج روسيا من الحبوب في عام 2025 بنحو 135,3 مليون طن، وهو ما يمثل مراجعة صعودية قدرها 0,8 مليون طن مقارنة بتقديرات الشهر السابق.