أصدر البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) تقريراً مشتركاً يشكّل دعوة شاملة لإعادة بناء احتياطيات الحبوب في الدول النامية. وأكد التقرير أن تحديث البنية التحتية للصوامع يعد أمراً بالغ الأهمية من أجل تقليل خسائر ما بعد الحصاد، واستقرار أسواق الحبوب، وتعزيز قدرة أنظمة الغذاء على الصمود على المدى الطويل.
تتزايد حالة انعدام الأمن الغذائي عالمياً بفعل أزمات مترابطة تشمل التوترات الجيوسياسية والاختلالات المناخية واضطرابات الأسواق. وفي هذا السياق، أصدر البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) تقريراً بعنوان: اتعزيز الأمن الغذائي من خلال تحسين الاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوبب. ويدعو التقرير الحكومات والمؤسسات التنموية إلى إعادة النظر في سياساتها المتعلقة بالاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب (SGR) وتحديثها، مشدداً على أن هذه الاحتياطيات يجب أن تُعتبر ركيزة أساسية في الاستعداد لمواجهة أزمات الغذاء.
يعرض التقرير تحليلاً شاملاً لكيفية تصميم الاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب وإدارتها على نحو أكثر فاعلية، ودمجها ضمن أنظمة أوسع للأمن الغذائي، ولا سيما في البلدان التي تعاني من تعثّر سلاسل التوريد وتعتمد على الاستيراد.
شهدت مشكلة الأمن الغذائي في السنوات الأخيرة زيادة حادة. ففي عام 2024، عانى 343 مليون شخص في 74 دولة من أزمة حادة في الغذاء، وهو ما يعادل ضعف المستوى المسجّل قبل الجائحة. وتزيد الصراعات والكوارث المناخية والصدمات الاقتصادية من مخاطر الجوع، في حين تؤدي قيود التصدير واضطرابات سلاسل التوريد إلى زعزعة استقرار الأسواق.

عندما تُدار بشكل فعّال، يمكن أن تعمل الاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب كـوسادة حرجة خلال الأزمات. فهي تساعد على منع نقص الغذاء، وتضمن الوصول إلى الغذاء في المناطق الهشة، وتدعم عمليات الاستجابة الطارئة. ومع ذلك، كما يبرز التقرير، يجب أن تُدمج هذه الاحتياطيات ضمن إطار أوسع للأمن الغذائي يشمل التجارة المفتوحة، ومشاركة القطاع الخاص، وشبكات الدعم الاجتماعي الموجهة. حيث يقول التقرير: ايجب أن تكون الاحتياطيات الاستراتيجية صغيرة وبسيطة وذكية - ليست لتحل محل الأسواق، بل لتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات.ب
الصوامع أصبحت قديمة والمخاطر ازدادت
يعرض التقرير تقييماً بارزاً للوضع الراهن لاستخدام صوامع الحبوب في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويشير بشكل خاص إلى القصور الكبير في أنظمة تخزين الحبوب العامة والخاصة في بعض مناطق أفريقيا وآسيا وشرق أوروبا. وبحسب التقرير، فإن البنى التحتية القديمة وممارسات الإدارة الضعيفة تؤدي في بعض المناطق إلى فقدان يصل إلى 30% من المحاصيل المخزنة.
الاستثمارات غير الكافية والصوامع المتهالكة: تم بناء أنظمة الصوامع الوطنية في العديد من الدول بين عامي 1960 و1980 باستخدام أموال مانحين أو استثمارات حكومية. يعاني اليوم جزء كبير من هذه البنية التحتية من نقص الصيانة وغياب التحديث التكنولوجي.
سياسات غير متوافقة مع الأهداف: تُستخدم الصوامع غالباً لتحقيق أهداف سياسية أو للحفاظ على استقرار أسعار الغذاء، لكنها ليست مدمجة ضمن سلسلة توريد شفافة وفعالة أو استراتيجية احتياطي غذائي وطني.
التنسيق الجزئي في السوق: يؤدي ضعف العلاقة والتنسيق بين القطاع العام، الذي يمتلك غالبية الاحتياطيات الاستراتيجية، والتجار والمزارعين في القطاع الخاص إلى انخفاض الكفاءة وانخفاض معدلات الامتلاء. في بعض الدول، لا تتجاوز نسبة امتلاء الصوامع 40%، حتى خلال موسم الحصاد.
دعوة للتحديث والإصلاح والتعاون في مجال تخزين الحبوب
للتغلب على هذا الضعف الهيكلي، يقترح البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) استراتيجية متعددة المحاور تعتمد على التحديث، الإصلاح المؤسسي، ومشاركة القطاع الخاص:
تأهيل وإعادة تجهيز الصوامع القائمة: بدلاً من بناء منشآت ضخمة جديدة، قد يكون تحسين المنشآت الحالية عبر أنظمة التهوية، التحكم في الحرارة، وأنظمة الجرد نهجاً أكثر كفاءة بالنسبة للعديد من الدول.
استخدام التقنيات الرقمية: دمج الصوامع مع أنظمة المناقصات الإلكترونية الوطنية والبورصات السلعية يمكن أن يعزز الشفافية ويقلل الهدر.
التخطيط القائم على المخاطر: يجب اعتبار الصوامع جزءًا من نظم الأمن الغذائي المقاومة للتغيرات المناخية؛ على سبيل المثال، تجنب الاستثمار في مناطق معرضة للفيضانات أو الجفاف يمكن أن يقلل من الصدمات النظامية.
نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص: الانتقال من الاحتكار الحكومي إلى نماذج التأجير التنافسية أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص يمكن أن يزيد من الكفاءة التشغيلية ويخفف العبء عن الميزانية العامة.
10 مبادئ من أجل احتياطات الحبوب
يقدم التقرير 10 مبادئ أساسية للإدارة الفعالة للاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب:
أهداف واضحة وأغراض متوافقة: يجب ألا تخدم الاحتياطات الاستراتيجية للقمح (SGR) أغراضاً متعددة أو متضاربة؛ الوظيفة الأساسية هي التدخل الغذائي الطارئ.
الانضباط المالي: الاحتفاظ باحتياطيات كبيرة مكلف. يجب على الدول الاحتفاظ باحتياطيات أصغر تتناسب مع الاحتياجات وتقليل تكاليف التشغيل.
المخزون بالحجم المناسب: المخزون الزائد يخل بالسوق، والمخزون الناقص يصبح عديم الفائدة وقت الأزمة.
منع اضطرابات السوق: يجب استخدام الاحتياطات الاستراتيجية للقمح SGR لتخفيف انقطاعات العرض، وليس للسيطرة على الأسعار.
مشتريات ذكية: المناقصات المفتوحة والتوريد المستهدف من المزارعين الصغار يقلل التكاليف ويدعم الاقتصاد الريفي.
صرف المخزون بكفاءة: يجب استخدام قنوات السوق (مثل المزادات والبورصات السلعية) لضمان تدخل شفاف وسريع.
الاندماج مع برامج الضمان الاجتماعي: في المناطق ذات الأسواق الضعيفة، ينبغي دعم برامج وجبات المدارس وبرامج العمل مقابل الغذاء.
سياسات متوافقة مع التجارة: تُصمم الاحتياطات الاستراتيجية للقمح SGR لدعم تدفقات التجارة، ويصبح تأثيرها أكبر عند إزالة الحواجز الجمركية.
استثمارات في البنية التحتية الحديثة: الحفاظ على الجودة وتقليل الفاقد عبر الصوامع والمستودعات وأنظمة الرقابة الرقمية (مثل IoT).
حوكمة فعّالة: الشفافية، الأدوار المؤسسية الواضحة، والتواصل القوي أساسية لكسب ثقة الجمهور وتحقيق الكفاءة التشغيلية.
الدروس المستفادة من التجارب المحلية والإقليمية
يقدّم التقرير دروسًا عملية لصناع السياسات من خلال دراسات حالة مستمدة من دول مثل إثيوبيا، أوكرانيا، فيتنام، بنغلاديش، الهند، الفلبين، غانا، زامبيا، وأوزبكستان. على سبيل المثال:
ساهم نموذج التأجير من القطاع الخاص في الهند في رفع معايير صيانة الصوامع وجودتها.
في إثيوبيا، يحدّ نظام الشراء المركزي وضعف البنية التحتية للطرق من كفاءة الصوامع.
تُعدّ اللوجستيات المتكاملة في أوكرانيا وترابط الصوامع بالموانئ مثالاً على تجارة الحبوب الموجهة للتصدير.
على الرغم من وجود هياكل احتياطية إقليمية مثل الاحتياطي الإقليمي للأمن الغذائي التابع لمجتمع دول غرب إفريقيا (ECOWAS)، إلا أن فعالية هذه الأنظمة تظل محدودة بسبب مشكلات التنسيق والثقة. لذلك، يؤكد التقرير أن الاحتياطيات الإستراتيجية الوطنية على مستوى الدول لا تزال الأداة الأكثر موثوقية. كما يُشير التقرير إلى أن التعاون الإقليمي يمكن أن يؤدي وظيفة تكميلية مهمة من حيث نظم الإنذار المبكر وتطوير القدرات.
يؤكد التقرير على أن الاحتياطيات الإستراتيجية للقمح (SGR) يجب أن تكون جزءًا فقط من استراتيجية أوسع للأمن الغذائي. فالمخزونات المصممة جيداً والمدارة بحذر من الناحية المالية يمكن أن تكون أداة فعالة لموازنة الوصول إلى الغذاء في حالات الطوارئ المؤقتة مثل صدمات العرض أو اضطرابات سلاسل التوريد. يجب ألا تقتصر وظيفة SGR على ضمان استقرار الأسعار على المدى الطويل فقط، بل ينبغي أن تتكامل مع سياسات تعزز الصمود الريفي، وتستثمر في الإنتاجية الزراعية، وتدعم شبكات الضمان الاجتماعي المستهدفة. وبحسب ما جاء في صياغة التقرير: ايجب أن تكون الاحتياطيات الإستراتيجية للقمح SGR صغيرة وبسيطة وذكية، وتُدار بطريقة مناسبة بحسب قدرات كل دولة، وفعالة من حيث التكلفة، ومتوافقة مع السوق.ب