BLOG

شمال أفريقيا تحولت إلى قمح البحر الأسود

07 صفر 14473 دقيقة للقراءة

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬للقمح‭ ‬تراجعاً،‭ ‬تزداد‭ ‬واردات‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭. ‬إن‭ ‬استراتيجيات‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬العدوانية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأسعار‭ ‬واللوجستيات‭ ‬تقوض‭ ‬التفوق‭ ‬التقليدي‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬توازن‭ ‬قوة‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬المنطقة‭.‬

تحقق‭ ‬شمال‭ ‬أفريقيا‭ ‬15‭ ‬بالمائة‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬واردات‭ ‬القمح‭ ‬العالمية،‭ ‬وهي‭ ‬تشهد‭ ‬تحولاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬لتأمين‭ ‬القمح‭. ‬وبحسب‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬الأمريكية‭ (‬USDA‭)‬،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬واردات‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬2025/26‭ ‬إلى‭ ‬32.25‭ ‬مليون‭ ‬طن‭. ‬ويعني‭ ‬هذا‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬الماضي،‭ ‬رغم‭ ‬التراجع‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬تجارة‭ ‬القمح‭ ‬العالمية‭. ‬الطلب‭ ‬القوي‭ ‬والمستقر‭ ‬على‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وليبيا‭ ‬وتونس‭ ‬والجزائر‭ ‬والمغرب‭ ‬يواصل‭ ‬دعم‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تقلص‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬بالمائة‭. ‬

وفقاً‭ ‬لتقديرات‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬الأمريكية‭ (‬USDA‭)‬،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إجمالي‭ ‬استهلاك‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬خلال‭ ‬موسم‭ ‬2025/26‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬46.55‭ ‬مليون‭ ‬طن‭. ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الدول،‭ ‬ستظل‭ ‬مصر‭ ‬أكبر‭ ‬مستورد‭ ‬للقمح‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بإجمالي‭ ‬واردات‭ ‬يبلغ‭ ‬13‭ ‬مليون‭ ‬طن‭. ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تستورد‭ ‬الجزائر‭ ‬9‭ ‬ملايين‭ ‬طن،‭ ‬والمغرب‭ ‬6.7‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬القمح.


هيمنة‭ ‬روسيا‭ ‬تتعمق‭  ‬

أما‭ ‬التطور‭ ‬الأكثر‭ ‬لفتاً‭ ‬للانتباه‭ ‬فهو‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الموردين‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬روسيا‭ ‬أكبر‭ ‬مورد‭ ‬للقمح‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬حيث‭ ‬بلغت‭ ‬حصتها‭ ‬نحو‭ ‬50‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬الإقليمي‭. ‬وفي‭ ‬مصر،‭ ‬تصل‭ ‬هذه‭ ‬الحصة‭ ‬إلى‭ ‬70‭ ‬بالمائة،‭ ‬بينما‭ ‬أصبحت‭ ‬روسيا‭ ‬المورد‭ ‬شبه‭ ‬الوحيد‭ ‬لليبيا‭. ‬كما‭ ‬زادت‭ ‬روسيا‭ ‬صادراتها‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭ ‬بالمائة،‭ ‬وسجلت‭ ‬شحناتها‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬المستويات‭ ‬السنوية‭ ‬السابقة،‭ ‬لتحل‭ ‬بذلك‭ ‬محل‭ ‬مورّدين‭ ‬تقليديين‭ ‬مثل‭ ‬فرنسا‭. ‬وقد‭ ‬عزّزت‭ ‬الروابط‭ ‬اللوجستية‭ ‬القوية‭ ‬لموانئ‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬وسياسات‭ ‬التسعير‭ ‬التنافسية‭ ‬نفوذ‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬


أما‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬فقد‭ ‬أعادت‭ ‬إحياء‭ ‬صادراتها‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬بعد‭ ‬التراجع‭ ‬الحاد‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬2022‭. ‬ففي‭ ‬موسم‭ ‬2024/25،‭ ‬سجلت‭ ‬شحنات‭ ‬القمح‭ ‬الأوكراني‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬زيادة‭ ‬كبيرة‭. ‬وساهم‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬وسياسات‭ ‬التسعير‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التعافي‭. ‬وأصبحت‭ ‬الجزائر‭ ‬ثالث‭ ‬أكبر‭ ‬سوق‭ ‬للقمح‭ ‬الأوكراني،‭ ‬حيث‭ ‬تضاعفت‭ ‬الصادرات‭ ‬إليها‭ ‬تقريباً‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬السابق‭. ‬كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬الشحنات‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬بالمائة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تراجعت‭ ‬صادرات‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭. ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬القيود‭ ‬المتزايدة‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬استيراد‭ ‬القمح‭ ‬الأوكراني‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تنظر‭ ‬كييف‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬سوق‭ ‬بديل‭ ‬استراتيجي‭.‬

نفوذ‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬يضعف

أما‭ ‬نصيب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬فقد‭ ‬انخفض‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬قليلاً‭ ‬عن‭ ‬25‭ ‬بالمائة‭. ‬وقد‭ ‬تكبدت‭ ‬فرنسا‭ ‬خسائر‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬الجزائر‭ ‬والمغرب‭. ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬استبعدت‭ ‬الجزائر‭ ‬فرنسا‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬مناقصاتها‭ ‬الرسمية‭ ‬منذ‭ ‬يوليو‭ ‬2024،‭ ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬إرسال‭ ‬أي‭ ‬شحنة‭ ‬من‭ ‬فرنسا‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭. ‬ويعود‭ ‬تراجع‭ ‬الصادرات‭ ‬الفرنسية‭ ‬إلى‭ ‬مشكلات‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬وكذلك‭ ‬إلى‭ ‬التوترات‭ ‬الدبلوماسية‭. ‬وقد‭ ‬سرّع‭ ‬الموردون‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬إلى‭ ‬ملء‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬بسرعة.


المنافسة‭ ‬في‭ ‬2025/26‭ ‬ستشتد‭ ‬

بحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬الأمريكية‭ (‬USDA‭)‬،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تزيد‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬صادرات‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬2025/26‭. ‬ويُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬خاصة‭ ‬فرنسا،‭ ‬أداءً‭ ‬قوياً‭ ‬مدعوماً‭ ‬بمحصول‭ ‬مرتفع‭ ‬متوقع‭. ‬لكن‭ ‬القيود‭ ‬التجارية‭ ‬الجديدة‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬قمح‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ستدفع‭ ‬كييف‭ ‬إلى‭ ‬التوجه‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬عدوانية‭ ‬نحو‭ ‬أسواق‭ ‬الدول‭ ‬الثالثة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬محدودة،‭ ‬واقتراب‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الإجمالي‭ ‬من‭ ‬47‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬ستزيد‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬حصة‭ ‬السوق‭ ‬بين‭ ‬موردي‭ ‬منطقة‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬والمصدّرين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التعافي‭.‬

مقالات في فئة اخبار