في الوقت الذي تشهد فيه التجارة العالمية للقمح تراجعاً، تزداد واردات شمال إفريقيا. إن استراتيجيات روسيا وأوكرانيا العدوانية فيما يتعلق بالأسعار واللوجستيات تقوض التفوق التقليدي للاتحاد الأوروبي، مما يؤدي إلى نشوء توازن قوة جديد في سوق المنطقة.
تحقق شمال أفريقيا 15 بالمائة تقريباً من واردات القمح العالمية، وهي تشهد تحولاً كبيراً في استراتيجياتها لتأمين القمح. وبحسب وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، من المتوقع أن تصل واردات المنطقة من القمح في موسم 2025/26 إلى 32.25 مليون طن. ويعني هذا ارتفاعاً مقارنة بالعام الماضي، رغم التراجع العام في حجم تجارة القمح العالمية. الطلب القوي والمستقر على القمح في مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب يواصل دعم هذا الارتفاع، على الرغم من تقلص حجم التجارة العالمية بأكثر من 10 بالمائة.
وفقاً لتقديرات وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، من المتوقع أن يصل إجمالي استهلاك القمح في شمال إفريقيا خلال موسم 2025/26 إلى مستوى 46.55 مليون طن. وعلى مستوى الدول، ستظل مصر أكبر مستورد للقمح في العالم بإجمالي واردات يبلغ 13 مليون طن. ومن المتوقع أن تستورد الجزائر 9 ملايين طن، والمغرب 6.7 مليون طن من القمح.

هيمنة روسيا تتعمق
أما التطور الأكثر لفتاً للانتباه فهو يحدث على صعيد الموردين. فقد أصبحت روسيا أكبر مورد للقمح في شمال إفريقيا، حيث بلغت حصتها نحو 50 بالمائة من السوق الإقليمي. وفي مصر، تصل هذه الحصة إلى 70 بالمائة، بينما أصبحت روسيا المورد شبه الوحيد لليبيا. كما زادت روسيا صادراتها إلى تونس بنسبة 50 بالمائة، وسجلت شحناتها إلى المغرب أكثر من ضعف المستويات السنوية السابقة، لتحل بذلك محل مورّدين تقليديين مثل فرنسا. وقد عزّزت الروابط اللوجستية القوية لموانئ البحر المتوسط وسياسات التسعير التنافسية نفوذ روسيا في المنطقة.

أما أوكرانيا، فقد أعادت إحياء صادراتها إلى شمال إفريقيا بعد التراجع الحاد الذي شهدته نتيجة الحرب التي اندلعت في 2022. ففي موسم 2024/25، سجلت شحنات القمح الأوكراني إلى المنطقة زيادة كبيرة. وساهم القرب الجغرافي وسياسات التسعير التنافسية في هذا التعافي. وأصبحت الجزائر ثالث أكبر سوق للقمح الأوكراني، حيث تضاعفت الصادرات إليها تقريباً ثلاث مرات مقارنة بالعام السابق. كما ارتفعت الشحنات إلى تونس بأكثر من 50 بالمائة، في حين تراجعت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى تونس بشكل حاد. وقد أدت القيود المتزايدة للاتحاد الأوروبي على استيراد القمح الأوكراني إلى أن تنظر كييف إلى شمال إفريقيا على أنه سوق بديل استراتيجي.
نفوذ الاتحاد الأوروبي يضعف
أما نصيب الاتحاد الأوروبي في سوق شمال إفريقيا، فقد انخفض إلى ما يزيد قليلاً عن 25 بالمائة. وقد تكبدت فرنسا خسائر كبيرة في أسواق حيوية مثل الجزائر والمغرب. وعلى وجه الخصوص، استبعدت الجزائر فرنسا بالكامل من مناقصاتها الرسمية منذ يوليو 2024، ولم يتم إرسال أي شحنة من فرنسا خلال العام الماضي. ويعود تراجع الصادرات الفرنسية إلى مشكلات في الإنتاج المحلي وكذلك إلى التوترات الدبلوماسية. وقد سرّع الموردون في منطقة البحر الأسود إلى ملء هذا الفراغ بسرعة.

المنافسة في 2025/26 ستشتد
بحسب تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، من المتوقع أن تزيد كل من روسيا والاتحاد الأوروبي صادرات القمح في موسم 2025/26. ويُتوقع أن يحقق الاتحاد الأوروبي، خاصة فرنسا، أداءً قوياً مدعوماً بمحصول مرتفع متوقع. لكن القيود التجارية الجديدة المفروضة على قمح أوكرانيا ستدفع كييف إلى التوجه بشكل أكثر عدوانية نحو أسواق الدول الثالثة، لا سيما شمال إفريقيا. كما أن زيادة الطلب على الواردات في المنطقة، وإن كانت محدودة، واقتراب الاستهلاك الإجمالي من 47 مليون طن، ستزيد المنافسة على حصة السوق بين موردي منطقة البحر الأسود والمصدّرين الأوروبيين الذين هم في طور التعافي.