BLOG

السويد تؤسس احتياطياً من الحبوب ضمن خطة ”الدفاع الشامل”

03 رجب 14473 دقيقة للقراءة

تستعد‭ ‬الحكومة‭ ‬السويدية‭ ‬لإنشاء‭ ‬أول‭ ‬احتياطيات‭ ‬طوارئ‭ ‬من‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الشمالية‭ ‬من‭ ‬البلاد‭. ‬وتُعد‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬معرّضة‭ ‬لخطر‭ ‬العزل‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الأراضي‭ ‬السويدية‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اندلاع‭ ‬نزاع‭ ‬محتمل‭ ‬أو‭ ‬وقوع‭ ‬أزمة‭ ‬كبرى،‭ ‬ما‭ ‬يضعها‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬خطوات‭ ‬السويد‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬منذ‭ ‬حقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭. ‬وتشكل‭ ‬هذه‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الجديدة‭ ‬أحد‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬لعقيدة‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬الشامل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬البلاد‭ ‬إحياءها‭ ‬مؤخراً‭.‬

وفقاً‭ ‬لمقترح‭ ‬الموازنة‭ ‬الوطنية‭ ‬السويدية‭ ‬لعام‭ ‬2026،‭ ‬سيتم‭ ‬تخصيص‭ ‬575‭ ‬مليون‭ ‬كرونة‭ ‬سويدية‭ (‬نحو‭ ‬60‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭) ‬لإنشاء‭ ‬احتياطيات‭ ‬طوارئ‭ ‬من‭ ‬الحبوب‭. ‬ووفقاً‭ ‬لبيان‭ ‬هيئة‭ ‬الزراعة‭ ‬السويدية‭ (‬Jordbruksverket‭)‬،‭ ‬ستركّز‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬مدن‭ ‬نوربوتن،‭ ‬فاستربوتن،‭ ‬فاسترنورلاند‭ ‬ويِمتلاند‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬البلاد‭. ‬ومن‭ ‬المقرر‭ ‬تخصيص‭ ‬اعتمادات‭ ‬مالية‭ ‬إضافية‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2028‭ ‬بهدف‭ ‬توسيع‭ ‬النظام‭ ‬ليشمل‭ ‬كامل‭ ‬أنحاء‭ ‬السويد‭.‬

سيعمل‭ ‬نظام‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الجديد‭ ‬وفق‭ ‬نموذج‭ ‬المخزون‭ ‬الدوار‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬ستقوم‭ ‬الدولة‭ ‬بشراء‭ ‬الحبوب‭ ‬من‭ ‬الموردين‭ ‬الخاصين،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬تجديد‭ ‬المخزونات‭ ‬بانتظام‭ ‬لمنع‭ ‬تلف‭ ‬الحبوب‭. ‬وسيتم‭ ‬التخزين‭ ‬أساساً‭ ‬عبر‭ ‬المنشآت‭ ‬التجارية‭ ‬القائمة،‭ ‬مما‭ ‬يتيح‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬لتحقيق‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭ ‬وإمكانية‭ ‬التوسع‭. ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬المخزونات‭ ‬الأولى‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬ربيع‭ ‬2026‭.‬

تؤكد‭ ‬التصريحات‭ ‬الرسمية‭ ‬أن‭ ‬موازنة‭ ‬575‭ ‬مليون‭ ‬كرونة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الحبوب‭ ‬فقط‭. ‬إذ‭ ‬يشمل‭ ‬هذا‭ ‬التمويل،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬برنامج‭ ‬استعداد‭ ‬أوسع،‭ ‬إنشاء‭ ‬احتياطيات‭ ‬إستراتيجية‭ ‬من‭ ‬الأسمدة‭ ‬والبذور‭ ‬والمنتجات‭ ‬الغذائية‭ ‬المُصنعة‭ ‬أيضاً‭. ‬ويُشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التكلفة‭ ‬الإجمالية‭ ‬للبرنامج‭ ‬قد‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬166‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬و1‭,‬35‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وذلك‭ ‬تبعاً‭ ‬لسرعة‭ ‬توسيعه‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البلاد‭ ‬ونطاق‭ ‬تطبيقه‭.‬

استجابة‭ ‬إستراتيجية‭ ‬للتوترات‭ ‬الجيوسياسية

يمتدّ‭ ‬التركيب‭ ‬الجغرافي‭ ‬للسويد‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬تقارب‭ ‬1‭.‬600‭ ‬كيلومتر‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأقاليم‭ ‬الشمالية‭ ‬معتمدة‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الإمدادات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الجنوب‭. ‬وفي‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬أي‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬إلى‭ ‬مشكلات‭ ‬سريعة‭ ‬في‭ ‬توافر‭ ‬الغذاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬شدّد‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬المدني‭ ‬السويدي‭ ‬كارل‭-‬أوسكار‭ ‬بوهلين‭ ‬على‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والعسكرية‭ ‬للشمال‭ ‬السويدي،‭ ‬قائلاً‭:‬
‮«‬شمال‭ ‬السويد‭ ‬يشكّل‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬إستراتيجية‭ ‬الدفاع‭ ‬الشامل‭ ‬لدينا‭. ‬اختيارنا‭ ‬البدء‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬ليس‭ ‬صدفة،‭ ‬بل‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬قدرة‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬الغذاء‭ ‬على‭ ‬موائدهم‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬الظروف‭.‬”

كما‭ ‬أكّد‭ ‬وزير‭ ‬الزراعة‭ ‬بيتر‭ ‬كولغرين‭ ‬أن‭ ‬الشمال‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬نقطة‭ ‬البداية،‭ ‬وأن‭ ‬الهدف‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬نظام‭ ‬شامل‭ ‬يغطي‭ ‬البلاد‭ ‬بأكملها‭. ‬وأوضح‭ ‬كولغرين‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬الحبوب‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬ضمان‭ ‬توافر‭ ‬المدخلات‭ ‬الزراعية‭ ‬الحيوية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني،‭ ‬مثل‭ ‬البذور‭ ‬والأسمدة‭.‬

تُعدّ‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬السريع‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬العقيدة‭ ‬الأمنية‭ ‬السويدية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬فقد‭ ‬أعادت‭ ‬السويد‭ ‬تفعيل‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬الشامل‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬عقب‭ ‬ضمّ‭ ‬روسيا‭ ‬لشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم،‭ ‬ثم‭ ‬جرى‭ ‬توسيع‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬بعد‭ ‬الغزو‭ ‬الروسي‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬انضمت‭ ‬السويد‭ ‬رسمياً‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬الناتو‭)‬،‭ ‬منهية‭ ‬بذلك‭ ‬سياسة‭ ‬الحياد‭ ‬العسكري‭ ‬التي‭ ‬التزمت‭ ‬بها‭ ‬لما‭ ‬يقارب‭ ‬قرنين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭.‬

الحبوب‭: ‬اكتفاء‭ ‬ذاتي‭ ‬إجمالاً‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬قابلية‭ ‬للتأثر‭ ‬بالأزمات

تُعدّ‭ ‬السويد،‭ ‬بوجه‭ ‬عام،‭ ‬دولة‭ ‬مكتفية‭ ‬ذاتياً‭ ‬في‭ ‬الحبوب،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬بتصدير‭ ‬فائض‭ ‬إنتاجها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬كشفت‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬مواطن‭ ‬الهشاشة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬خلال‭ ‬موجة‭ ‬الجفاف‭ ‬الشديد‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬اضطرت‭ ‬السويد‭ ‬إلى‭ ‬استيراد‭ ‬نحو‭ ‬800‭ ‬ألف‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الحبوب‭ ‬نتيجة‭ ‬الخسائر‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الغلال‭. ‬وقد‭ ‬أبرزت‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬بشكل‭ ‬جليّ‭ ‬أن‭ ‬مخاطر‭ ‬المناخ‭ ‬وصدمات‭ ‬الأسواق‭ ‬تفرض‭ ‬ضرورة‭ ‬تعزيز‭ ‬الجاهزية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأزمات‭.‬

يهدف‭ ‬برنامج‭ ‬التخزين‭ ‬الجديد‭ ‬إلى‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭. ‬إذ‭ ‬تسعى‭ ‬الحكومة،‭ ‬من‭ ‬خلاله،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الإمدادات،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الأزمات‭.‬

ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة،‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬السويد‭ ‬لتأسيس‭ ‬احتياطيات‭ ‬من‭ ‬الحبوب،‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬يُتابَع‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأوروبي‭ ‬أو‭ ‬ضمن‭ ‬النقاشات‭ ‬العالمية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأمن‭ ‬الغذائي‭.‬

مقالات في فئة اخبار