تستعد الحكومة السويدية لإنشاء أول احتياطيات طوارئ من الحبوب في المناطق الشمالية من البلاد. وتُعد هذه المناطق الاستراتيجية معرّضة لخطر العزل عن بقية الأراضي السويدية في حال اندلاع نزاع محتمل أو وقوع أزمة كبرى، ما يضعها في صميم أحد أهم خطوات السويد في مجال الأمن الغذائي منذ حقبة الحرب الباردة. وتشكل هذه الاحتياطيات الجديدة أحد الركائز الأساسية لعقيدة «الدفاع الشامل» التي أعادت البلاد إحياءها مؤخراً.
وفقاً لمقترح الموازنة الوطنية السويدية لعام 2026، سيتم تخصيص 575 مليون كرونة سويدية (نحو 60 مليون دولار) لإنشاء احتياطيات طوارئ من الحبوب. ووفقاً لبيان هيئة الزراعة السويدية (Jordbruksverket)، ستركّز المرحلة الأولى على مدن نوربوتن، فاستربوتن، فاسترنورلاند ويِمتلاند في شمال البلاد. ومن المقرر تخصيص اعتمادات مالية إضافية حتى عام 2028 بهدف توسيع النظام ليشمل كامل أنحاء السويد.
سيعمل نظام الاحتياطيات الجديد وفق نموذج المخزون الدوار. وفي هذا الإطار، ستقوم الدولة بشراء الحبوب من الموردين الخاصين، مع ضمان تجديد المخزونات بانتظام لمنع تلف الحبوب. وسيتم التخزين أساساً عبر المنشآت التجارية القائمة، مما يتيح الاستفادة من البنية التحتية للقطاع الخاص لتحقيق كل من الكفاءة وإمكانية التوسع. ومن المتوقع أن تدخل المخزونات الأولى حيز التنفيذ في ربيع 2026.
تؤكد التصريحات الرسمية أن موازنة 575 مليون كرونة لا تقتصر على الحبوب فقط. إذ يشمل هذا التمويل، في إطار برنامج استعداد أوسع، إنشاء احتياطيات إستراتيجية من الأسمدة والبذور والمنتجات الغذائية المُصنعة أيضاً. ويُشار إلى أن التكلفة الإجمالية للبرنامج قد تتراوح بين 166 مليون دولار و1,35 مليار دولار، وذلك تبعاً لسرعة توسيعه على مستوى البلاد ونطاق تطبيقه.

استجابة إستراتيجية للتوترات الجيوسياسية
يمتدّ التركيب الجغرافي للسويد على مسافة تقارب 1.600 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، ما يجعل الأقاليم الشمالية معتمدة إلى حدٍّ كبير على الإمدادات القادمة من الجنوب. وفي أوقات الأزمات، قد تؤدي أي اضطرابات في سلاسل الإمداد إلى مشكلات سريعة في توافر الغذاء في هذه المناطق.
وفي هذا السياق، شدّد وزير الدفاع المدني السويدي كارل-أوسكار بوهلين على الأهمية الاستراتيجية والعسكرية للشمال السويدي، قائلاً:
«شمال السويد يشكّل إحدى الركائز الأساسية في إستراتيجية الدفاع الشامل لدينا. اختيارنا البدء من هناك ليس صدفة، بل يهدف إلى ضمان قدرة الناس على وضع الغذاء على موائدهم حتى في أحلك الظروف.”
كما أكّد وزير الزراعة بيتر كولغرين أن الشمال ليس سوى نقطة البداية، وأن الهدف على المدى الطويل يتمثّل في إنشاء نظام شامل يغطي البلاد بأكملها. وأوضح كولغرين أن هذا التوجّه لا يقتصر على تأمين الحبوب فحسب، بل يشمل أيضاً ضمان توافر المدخلات الزراعية الحيوية على المستوى الوطني، مثل البذور والأسمدة.
تُعدّ هذه الخطوة جزءاً لا يتجزأ من التحول السريع الذي تشهده العقيدة الأمنية السويدية في السنوات الأخيرة. فقد أعادت السويد تفعيل مفهوم «الدفاع الشامل» عام 2015 عقب ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم، ثم جرى توسيع هذا النهج بشكل أكبر بعد الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في عام 2022. وفي عام 2024، انضمت السويد رسمياً إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، منهية بذلك سياسة الحياد العسكري التي التزمت بها لما يقارب قرنين من الزمن.
الحبوب: اكتفاء ذاتي إجمالاً لكن مع قابلية للتأثر بالأزمات
تُعدّ السويد، بوجه عام، دولة مكتفية ذاتياً في الحبوب، وغالباً ما تقوم بتصدير فائض إنتاجها. غير أن الأزمات التي شهدتها السنوات الأخيرة كشفت بوضوح عن مواطن الهشاشة في هذا النظام. فعلى سبيل المثال، خلال موجة الجفاف الشديد عام 2018، اضطرت السويد إلى استيراد نحو 800 ألف طن من الحبوب نتيجة الخسائر الكبيرة في الغلال. وقد أبرزت هذه التجربة بشكل جليّ أن مخاطر المناخ وصدمات الأسواق تفرض ضرورة تعزيز الجاهزية لمواجهة الأزمات.
يهدف برنامج التخزين الجديد إلى التخفيف من هذه المخاطر. إذ تسعى الحكومة، من خلاله، ليس فقط إلى ضمان استمرارية الإمدادات، بل أيضاً إلى دعم استقرار الأسعار في السوق المحلية وتعزيز قدرة البلاد على الصمود في وجه الأزمات.
ومن المرجح أن تتحول هذه الخطوة، التي تنطلق من شمال السويد لتأسيس احتياطيات من الحبوب، إلى نموذج يُتابَع عن كثب خلال السنوات المقبلة، سواء على المستوى الأوروبي أو ضمن النقاشات العالمية المتعلقة بالأمن الغذائي.