د. إرين غونهان أولوسوي
رئيس الرابطة الدولية لعمال المطاحن IAOM أوراسيا
يحافظ تصدير الدقيق عالمياً على مسار مستقر من حيث الحجم، في حين أنه يُظهر تقلبات من حيث القيمة، وهو ما يكشف في آنٍ واحد عن متانة القطاع وهشاشته. ففي البلدان منخفضة الدخل، يُعد الدقيق حجر الزاوية في الأمن الغذائي، بينما يرتبط على نحو متزايد في الأسواق مرتفعة الدخل بالابتكار والمنتجات ذات القيمة المضافة. وفي المحصلة، تكمن قوة قطاع الدقيق في قدرته على وصل الزراعة بالصناعة، والتجارة بالأمن الغذائي
تجارة الدقيق العالمية
شهدت تجارة الدقيق العالمية منذ عام 2005 وحتى اليوم مساراً متقلباً من حيث الحجم والقيمة معاً. حيث بلغت ذروتها التاريخية في عام 2017 بصادرات قاربت 15 مليون طن، قبل أن تدخل مرحلة جديدة عقب اختناقات الإمداد خلال جائحة كوفيد-19، ثم اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية في عام 2022. وخلال هذه الفترة، أثّرت الارتفاعات الحادة في أسعار القمح واعتماد الدول المصدّرة سياسات حمائية تحسبًا لصدمات محتملة في الإمدادات، تأثيراً مباشراً في تجارة الدقيق.
وتُظهر هذه التطورات أن صادرات الدقيق العالمية حافظت على قدر من الاستقرار النسبي من حيث الحجم، لكنها كانت شديدة الحساسية لتقلبات أسعار القمح من حيث القيمة. ومن المتوقع في المرحلة المقبلة أن تستقر تجارة الدقيق العالمية عند سقف يقارب 14 مليون طن، مع استمرار نموها بوتيرة منخفضة لكنها مستقرة.
عند التقييم وفق مجموعات الدخل، يلفت الانتباه الارتفاع المتواصل في واردات الدقيق لدى البلدان منخفضة الدخل، وهو ما يُعد مؤشراً واضحاً على الدور الجوهري للدقيق في أمنها الغذائي. أما في البلدان مرتفعة الدخل، فرغم محدودية أحجام الاستيراد، فإن أسعار الوحدة أعلى نسبياً. وبناءً عليه، يتموضع الدقيق في البلدان منخفضة الدخل كسلعة تركز على الحجم والأمن الغذائي، بينما يُنظر إليه في البلدان مرتفعة الدخل كمنتج قائم على القيمة المضافة وتنوع المنتجات.
ألمانيا: التحديث والاستقرار
يمثل نموذج ألمانيا قطاع دقيق مستقراً عالي التقنية. إذ تتم معالجة نحو 8–9 ملايين طن من الحبوب سنوياً، يُغطى 95% منها من الإنتاج المحلي، ما يعني غياب الاعتماد على الخارج. ويبلغ متوسط الاستهلاك الفردي نحو 85 كغ، مع توقع بقاء هذا المتوسط ثابتاً حتى عام 2030.
تبرز سمة التحديث كأهم ما يميز ألمانيا. فقد انخفض عدد المطاحن من 317 مطحنة في عام 2007 إلى 160 مطحنة في عام 2023، في حين ارتفع إجمالي الإنتاج. ويعكس ذلك انتقالاً ملموساً، بفضل اقتصاديات الحجم، إلى عدد أقل من المنشآت الأكبر حجماً والأعلى كفاءة. كما أن التعهد بخفض انبعاثات الكربون بنسبة 30% بحلول عام 2030 في إطار أهداف الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي، يضع ألمانيا في موقع ريادي في إنتاج الدقيق منخفض الكربون.
بالنسبة للتصدير، تحتل ألمانيا موقعاً متوسطاً إلى مرتفع بحجم سنوي يتراوح بين 1.2 و2 مليون طن. وبسبب تشبع الاستهلاك المحلي، تعتمد آفاق النمو إلى حد كبير على التصدير والابتكار. وتوفر المنتجات ذات القيمة المضافة (مثل الدقيق الخالي من الغلوتين، وعالي البروتين، ودقيق الحبوب الكاملة) فرصة لألمانيا لتولي الريادة على المستوى الأوروبي.
باكستان: الهشاشة ودورة الأزمات
تبدو البيانات الخاصة بباكستان لافتة للنظر. فإنتاج القمح السنوي، الذي يتراوح بين 25 و27 مليون طن، لا يكفي لتلبية الطلب المحلي. لذلك يُتوقع استيراد ما بين 2 و4 ملايين طن من القمح سنويًا خلال الفترة 2025–2028. وتُفاقم أزمات النقد الأجنبي المتكررة فجوة الإنتاج.
في قطاع الدقيق، تبرز مشكلة فائض الطاقة الإنتاجية وتدني معدلات الاستخدام. فعلى الرغم من وجود أكثر من 1,400 مطحنة، لا يتجاوز معدل استخدام الطاقة 38%. كما يُنتَج نحو 60% من الدقيق في مطاحن صغيرة النطاق تُعرف بـ»chakki «.
أما بالنسبة للتصدير، فيتسم قطاع الدقيق الباكستاني بقدر كبير من الهشاشة. فبعد فترات برز فيها التصدير بين عامي 2008 و2013، تراجع منذ مطلع عشرينيات القرن الحالي ليكاد ينعدم. وتسهم السياسات المتقلبة (السماح بالتصدير في عام، ثم الحاجة إلى استيراد عاجل في العام التالي) والاختناقات المزمنة في النقد الأجنبي في تكريس هذا الوضع. وبذلك، يواجه القطاع حلقة أزمات متكررة: نقص – ارتفاع أسعار – اضطرابات اجتماعية.
تركيا: ريادة إقليمية وقوة تصديرية
تحتل تركيا منذ عام 2014 موقع أكبر مصدّر للدقيق في العالم. ففي الفترة 2023–2024، صدّرت ما بين 3.0 و3.5 ملايين طن من الدقيق، لتغطي بمفردها قرابة 30% من التجارة العالمية. وتتسم الطاقة الإنتاجية بالانتشار الواسع؛ إذ تشير بيانات اتحاد الغرف والبورصات التركية (TOBB) إلى وجود 350 مصنع في مختلف المناطق، بطاقة مركبة تتجاوز 20 مليون طن. غير أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع بدقة بسبب نواقص في السجلات الرسمية؛ فعدد المصانع الفعلي يقترب من 500 مصنع، والطاقة المركبة تقارب 30 مليون طن. ولا تظهر العديد من هذه المنشآت في الإحصاءات نتيجة عدم تحديث تقارير الطاقة. لذلك، تبدو الصورة في البيانات الرسمية أصغر من الواقع، رغم أن معدل استخدام الطاقة لا يزال عند حدود 35–40%.
ومن حيث الأسواق التصديرية، تشمل الجهات الرئيسية المستوردة للدقيق التركي دولاً مثل العراق وسوريا والصومال واليمن. وخلال الفترة 2023–2024، تراجعت حصة العراق، في مقابل تزايد أهمية الدول الإفريقية. ويتيح هذا التنوع الجغرافي لتركيا توزيع المخاطر وتعزيز ريادتها الإقليمية في آن واحد.
وتكمن قوة تركيا في قدرتها، بفضل ميزتها اللوجستية وأسعارها التنافسية، على تلبية احتياجات فئات دخل مختلفة. ووفق توزيع الصادرات، تؤدي تركيا دور المورّد الأساسي للغذاء للدول منخفضة الدخل، وفي الوقت نفسه توفر بدائل مناسبة السعر للدول متوسطة الدخل.
النتيجة: زراعة قوية، صناعة متينة، وقطاع غذائي سليم
عندما يُبنى قطاع الدقيق على أسس زراعية قوية، فإنه يضطلع بدور استراتيجي على صعيدي الصناعة والأمن الغذائي. وتُعد السياسات الزراعية المتوقعة والمستقرة العامل الأكثر حسمًا في النمو المستدام لقطاع الدقيق، إذ تشكّل بنية زراعية قوية ← صناعة دقيق متينة ← قطاع مخابز متطور، سلسلةً تشكل أساس صناعة الغذاء بأكملها.
خلال السنوات الأخيرة، استمر نمو قطاع الدقيق التقليدي، بالتوازي مع تسارع ملحوظ في أصناف الدقيق الوظيفية وذات القيمة المضافة. ويوفر استقرار السوق التقليدية أرضية صلبة للتوجه نحو المنتجات المبتكرة، بما يضمن ديناميكية القطاع مستقبلاً.
وعلى الصعيد العالمي، لا يُعد تصدير الدقيق مجرد نشاط تجاري، بل أداة استراتيجية للأمن الغذائي. فعند حدوث أي انقطاع في إمدادات القمح، يؤدي تصدير الدقيق دور شبكة أمان تدعم سلاسل التوريد وتسهم في تحقيق الاستقرار، ولا سيما في البلدان الهشة.
بالخلاصة، إن قطاع دقيق قوي يعزز متانة سلسلة الغذاء العالمية ويقلل من هشاشة الأسواق الدولية أمام الصدمات. وتمثل هذه السلسلة المتكاملة، الممتدة من الزراعة إلى الصناعة، ومن التصدير إلى الأمن الغذائي العالمي، عنصراً لا غنى عنه لبناء نظام غذائي مستدام وقادر على الصمود في المستقبل.