من المتوقع أن يصل الإنتاج العالمي من الحبوب في موسم 2025/2026 إلى أعلى مستوى له على الإطلاق بنحو 2.5 مليار طن، مدفوعاً بتأثير الحصادات القياسية في القمح والذرة. غير أن المجلس الدولي للحبوب (IGC) يحذر من أن الاختلالات الإقليمية وقوة الدولار، في وقت ترتفع فيه المخزونات لدى الدول المصدّرة إلى ذروة تمتد لعدة سنوات، قد تعيد تشكيل تدفقات التجارة في عام 2026.
قدّم كبير اقتصاديي المجلس الدولي للحبوب (IGC) ألكسندر كارافايتسيف، في كلمته خلال مؤتمر Global Grain Geneva 2025، تقييماً شاملاً للديناميكيات الأساسية في أسواق الحبوب العالمية. ووفقاً لكارافايتسيف، من المنتظر أن يصل إجمالي إنتاج الحبوب في موسم 2025/2026 إلى قرابة 2.5 مليار طن، مسجلاً أعلى مستوى له على الإطلاق، ومحققاً ثالث رقم قياسي متتالٍ. وأوضح قائلاً: «وتيرة النمو اكتسبت زخماً، ومن المتوقع أن يكون الارتفاع السنوي عند أعلى مستوياته خلال السنوات التسع الماضية». ويُعزى هذا الارتفاع أساساً إلى الإنتاج القياسي من القمح والذرة؛ إذ يُتوقع أن يبلغ الإنتاج العالمي من الذرة 1.3 مليار طن، وأن يتجاوز إنتاج القمح، ولأول مرة في التاريخ، حاجز 800 مليون طن. كما تُتوقع زيادات معتدلة في إنتاج الحبوب الخشنة الأخرى، مثل الشعير والذرة الرفيعة والجاودار.

بعد ثلاثة مواسم من العجز، تتعافى المخزونات
بعد ثلاثة مواسم متتالية من العجز في المعروض في سوق الحبوب العالمية، يتوقع المجلس الدولي للحبوب أن يتجاوز الإنتاج الاستهلاك مجدداً في موسم 2025/2026، بما يتيح المجال لتعافي المخزونات. وقال كارافايتسيف: «من المتوقع أن ترتفع المخزونات العالمية إلى أعلى مستوى لها خلال ثلاث سنوات، إلا أن الشيطان يكمن في التفاصيل». إذ إن الصورة لا تتوزع بالتساوي على مستوى العالم؛ فبينما يُقدر أن تصل مخزونات الحبوب في الدول المصدّرة الرئيسية إلى ذروتها خلال السنوات الثماني الأخيرة، يُشار إلى أن المعروض في بقية أنحاء العالم قد يتراجع إلى أدنى مستوى له خلال أحد عشر عاماً. وأكد كارافايتسيف أن هذا الاختلال يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت الوفرة الكبيرة في المخزونات لدى مصادر التصدير الرئيسية ستتحول فعلاً إلى تدفقات تجارية أقوى.
تستقر الأسعار عند أدنى مستوياتها خلال السنوات الأخيرة.
بحسب مؤشر الحبوب والبذور الزيتية الصادر عن المجلس الدولي للحبوب، فإن أسعار الحبوب العالمية التي قفزت إلى مستويات قياسية في عام 2022 عقب الحرب في البحر الأسود، تراجعت بشكل حاد منذ ذلك الحين. وبعد أن هبط المؤشر في سبتمبر 2025 إلى أدنى مستوى له خلال السنوات الخمس الماضية، سجّل تعافياً طفيفاً مدفوعاً بالتفاؤل إزاء محادثات التجارة بين الولايات المتحدة والصين وغيرها من التطورات السياسية. وقال كارافايتسيف: «على الرغم من الارتفاع المحدود في الفترة الأخيرة، لا تزال الأسعار العالمية قريبة من أدنى المستويات خلال عدة سنوات، وهي في المتوسط أدنى بنحو 3% مقارنة بالعام الماضي».
إنتاج القمح عند ذروته التاريخية
وفقاً لتقديرات المجلس الدولي للحبوب، من المتوقع أن يتجاوز الإنتاج العالمي من القمح في موسم 2025/2026 مستوى 800 مليون طن، ليبلغ أعلى مستوى في تاريخه. ويمثّل ذلك زيادة سنوية قدرها 27 مليون طن، وهي زيادة تعادل تقريباً إجمالي الإنتاج السنوي من القمح في أوكرانيا. ويعود هذا الارتفاع أساساً إلى تحسّن الإنتاجية لا إلى اتساع المساحات المزروعة. ومن المنتظر تسجيل زيادات في الإنتاج في معظم مناطق التصدير الرئيسية حول العالم:
الاتحاد الأوروبي: عقب هطول أمطار مواتية خلال فصل الصيف، تحقق تعافٍ قوي؛ إذ ارتفع محصول القمح في الاتحاد الأوروبي إلى أعلى مستوى له خلال السنوات العشر الأخيرة، في حين تراجعت إلى حدٍّ كبير المخاوف المتعلقة بالجودة التي سادت في بداية الموسم.
روسيا: من المتوقع أن يبلغ الإنتاج نحو 86 مليون طن. وقد عوّضت الغلال القوية للقمح الربيعي في سيبيريا جزئياً الظروف الضعيفة المسجّلة في مناطق التصدير الجنوبية. وأكد كارافايتسيف أن «اللوجستيات لا تزال تشكّل العامل المقيِّد الأساسي، إذ إن جزءاً مهماً من المحصول الجديد يقع على بُعد آلاف الكيلومترات من الموانئ.
أوكرانيا: على الرغم من استمرار تقلّص المساحات المزروعة بسبب الحرب، يُتوقَّع أن يتحسّن إنتاج القمح ليصل إلى نحو 25 مليون طن مقارنة بالموسم الماضي.
الولايات المتحدة وكندا: حققت الدولتان محصولاً يفوق المتوسط، وتواصلان توفير قمح عالي الجودة مخصّص للطحن.
الهند والصين: تشير البيانات الرسمية إلى تسجيل أرقام إنتاج قياسية جديدة، بواقع 117 مليون طن في الهند و140 مليون طن في الصين.
الأرجنتين وأستراليا: يُحصد في كلا البلدين محصول كبير، غير أن الأمطار في الأرجنتين والهطولات التي شهدتها أستراليا قرب نهاية الموسم تنطوي على مخاطر قد تضغط على مستويات الجودة.
من المتوقع أن يرتفع الاستهلاك العالمي من القمح في موسم 2025/2026 بنسبة 2% على أساس سنوي، مسجّلاً أسرع وتيرة نمو خلال السنوات الأربع الأخيرة. ويعود هذا الارتفاع أساساً إلى الطلب على الاستخدامات الغذائية والأعلاف. ومع ذلك، حذّر كارافايتسيف من أن انخفاض أسعار الأرز وتوافر إمدادات وفيرة من الحبوب العلفية قد يحدّان من نمو الطلب على القمح. وقال: «انخفض سعر الأرز بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، في حين تراجع القمح بنسبة 5% فقط، ما يجعل الأرز أكثر تنافسية في بعض الأسواق.
وفي أوروبا، حيث جاءت غلال الذرة دون التوقعات، يشهد استخدام القمح العلفي زيادة سريعة، بينما يظل استهلاك القمح العلفي في مناطق أخرى مستقرًا أو عند مستويات أدنى، نتيجة الإحلال بالذرة وكسب فول الصويا.
تكاليف الشحن وقوة الدولار تعيدان تشكيل التجارة
ارتفعت تكاليف الشحن بنسبة تقارب 16% على أساس سنوي، ما أدى إلى تقليص الميزة التي حققتها أسعار التصدير المنخفضة بشكل ملموس. وعند النظر إلى الأسعار على أساس التكلفة والشحن (C&F)، يظل الانخفاض السنوي في أسعار الاستيراد محدوداً بنحو 3% فقط.
اشتدّت المنافسة التصديرية بصورة واضحة؛ إذ تراجعت الفوارق السعرية بين مصادر التصدير الرئيسية إلى مستويات ضيقة للغاية من الناحية التاريخية. وبعد أن كانت الولايات المتحدة تُعدّ في فترة ما المورّد الأكثر تنافسية، فقدت جزءاً من قدرتها التنافسية بفعل قوة الدولار وتأثير المراكز المضاربية المتشكّلة حول التوقعات المرتبطة بالتجارة بين الولايات المتحدة والصين.

وتواصل الأرجنتين تقديم أدنى الأسعار على أساس التسليم في المصنع (FOB)، في حين تتداول روسيا وأوكرانيا وفرنسا ضمن نطاق سعري ضيّق ومتقارب جداً، متأثرة بعوامل محلية تشمل الأوضاع اللوجستية، وأسعار الصرف، وسلوكيات البيع لدى المزارعين.
يشهد قطاع تجارة القمح تعافياً ملحوظاً
على الرغم من التحديات اللوجستية، تواصل صادرات القمح القادمة من منطقة البحر الأسود الحفاظ على قوتها؛ إذ بلغ معدل صادرات روسيا في شهر أكتوبر نحو 5 مليون طن، مع الإشارة إلى إمكانية تسجيل مستويات أعلى في نوفمبر. كما يحظى القمح الأوكراني بطلب قوي، ولا سيما من الجزائر ومصر، مدعوماً هذا الموسم بتحسن ملحوظ في جودة القمح الأوكراني. وفي مناطق أخرى يُتوقع ما يلي:
ارتفاع صادرات القمح في الاتحاد الأوروبي بمقدار 5 مليون طن مقارنة بالموسم الماضي،
زيادة صادرات أستراليا بدعم من ارتفاع المخزونات المرحّلة،
تسجيل شحنات القمح الأميركية مستويات تفوق نظيرتها في الفترة نفسها من العام الماضي بنحو 20%.
كازاخستان : توسّع كازاخستان نطاق وصولها إلى أسواق جديدة عبر ممرّ بحر قزوين العابر، ما يتيح لها زيادة صادرات القمح، ولا سيما دقيق الأعلاف. ويُشار إلى أن مبيعات دقيق الأعلاف المتجهة إلى الصين بلغت، من حيث المكافئ الحبيبي، مستوى يتراوح بين 2 و3 مليون طن.
وبوجه عام، يُتوقع أن يرتفع حجم تجارة القمح العالمية بنسبة 6% على أساس سنوي، بقيادة تركيا وآسيا وإفريقيا. ومع ذلك، من المرجّح أن يظل حجم التجارة، في الوقت الراهن، أدنى قليلاً من المستوى القياسي المسجّل في موسم 2023/2024.
يشهد إنتاج الذرة أكبر زيادة خلال السنوات التسع الأخيرة.
أوضح كبير محللي المجلس الدولي للحبوب، كارافايتسيف، أن من المتوقع أن يصل الإنتاج العالمي من الذرة في موسم 2025/2026 إلى مستوى 1.3 مليار طن، وهو ما يمثل زيادة قدرها 59 مليون طن مقارنة بالعام الماضي، لتُسجل بذلك أكبر زيادة سنوية في الإنتاج خلال السنوات التسع الأخيرة. وتتصدّر الولايات المتحدة هذا المشهد بمحصول ذرة قياسي يتجاوز 400 مليون طن. كما يُتوقع تحقيق محاصيل كبيرة في كل من البرازيل والأرجنتين. غير أن صناعة الإيثانول المتنامية بسرعة في البرازيل تسحب حصة متزايدة من الذرة إلى السوق المحلية، ما يحدّ من الكميات المتاحة للتصدير.
ويأتي محصول الذرة في الصين عند مستويات قريبة من الذروة القياسية، بنحو 300 مليون طن. في المقابل، جرى خفض تقديرات الإنتاج في الاتحاد الأوروبي مراراً خلال الموسم بسبب الظروف الجوية غير المواتية.
وعلى صعيد الصادرات، من المنتظر أن تهيمن الولايات المتحدة على السوق بتحقيقها أعلى حجم صادرات من الذرة في تاريخها عند 74 مليون طن. وفي حين يُتوقع تسجيل زيادة محدودة فقط في صادرات الذرة البرازيلية، تواجه كلٌّ من الأرجنتين وأوكرانيا منافسة متزايدة وعوائق لوجستية.

المشهد العالمي يتّسم بوفرة المعروض، وارتفاع المخزونات، وضعف الطلب.
أوضح كارافايتسيف أن سوق الحبوب العالمية تدخل عام 2026 في ظل وفرة في المعروض، واستهلاك قوي، ومخزونات مرتفعة تاريخياً لدى الدول المصدّرة، وهو ما من شأنه أن يؤدي دوراً عازلاً في مواجهة الصدمات المحتملة. حيث قال: «لا تزال الأسعار واقعة تحت ضغط وفرة المعروض. أما التعافي الأخير فيرتبط إلى حدٍّ كبير بتوقعات مضاربية، لا بالمؤشرات الأساسية. غير أنه إذا تغيّر التصور السائد وبدأ المشترون مجدداً في تكوين المخزونات، فقد تنتعش التجارة بوتيرة أسرع من المتوقع.
لكن حذر من أن قوة الدولار الأميركي قد تُضعف القدرة الشرائية للدول المستوردة، ولا سيما في إفريقيا، بما قد يضغط على الطلب على الحبوب. وأضاف كارافايتسيف: «نشهد أكبر زيادة في الإنتاج العالمي خلال السنوات التسع الأخيرة. ومع وصول المخزونات لدى الدول المصدّرة إلى ذُروات متعددة السنوات، تدخل سوق الحبوب العالمية عام 2026 على أساس أكثر استقراراً. إلا أن الاختلالات الإقليمية وتكاليف الخدمات اللوجستية ستواصل تشكيل ديناميكيات الأسعار.»