BLOG

تأثير الحرب على أسواق الحبوب

24 رمضان 14437 دقيقة للقراءة

سيؤدي الغزو الروسي لأوكرانيا إلى مزيد من الاضطرابات في الأسواق العالمية، وسيكون له عواقب سلبية على إمدادات الحبوب العالمية على المدى القصير، كما أنه سوف يعطل أسواق الغاز الطبيعي والأسمدة، وسيكون له آثار سلبية على المنتجين الذين يدخلون موسم الزراعة الجديد. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات تضخم أسعار المواد الغذائية المرتفعة بالفعل، إضافة إلى أن له نتائج وخيمة على البلدان منخفضة الدخل المستوردة للمواد الغذائية.

تهدد الأزمة الأوكرانية، التي قلبت أسواق السلع الأساسية رأساً على عقب، الأمن الغذائي العالمي. كما أدت الآثار المستمرة لوباء COVID-19 وعوامل أخرى إلى ارتفاع أسعار الغذاء بالفعل. إضافة لذلك فإن ضعف المحاصيل في أمريكا الجنوبية والطلب العالمي القوي ومشاكل سلسلة التوريد أدّت إلى انخفاض مخزونات الحبوب والبذور الزيتية، مما دفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ 2011-2013. كما ارتفعت أسعار الزيوت النباتية إلى مستويات قياسية نتيجة لانخفاض مخزون فول الصويا في أمريكا الجنوبية، وانخفاض إمدادات زيت النخيل بسبب مشاكل الحصاد في ماليزيا، والزيادة الحادة في استخدام زيت النخيل وفول الصويا لإنتاج الديزل الحيوي. كما أن أسعار المدخلات الأساسية كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الوقود والأسمدة ومبيدات الآفات قد وصلت بالفعل إلى مستويات قياسية.

سيؤدي الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي حدث في مثل هذه الفترة، إلى مزيد من الاضطرابات في الأسواق العالمية، وسيكون له عواقب سلبية على إمدادات الحبوب العالمية على المدى القصير، وسيخلق آثاراً سلبية على المنتجين الذين يدخلون موسم الزراعة الجديد عن طريق تعطيل الغاز الطبيعي. وأيضاً على أسواق الأسمدة. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تفاقم تضخم أسعار المواد الغذائية المرتفعة بالفعل إضافة إلى أن له عواقب وخيمة على البلدان المنخفضة الدخل المستوردة للمواد الغذائية، والتي شهد العديد منها ارتفاعات في معدلات سوء التغذية على مدى السنوات القليلة الماضية في مواجهة الاضطرابات الناجمة عن الوباء.


قد تؤدي العمليات العسكرية إلى أزمة غذائية كبيرة، مما قد يفضي إلى نزوح 1.5 مليون إلى 5 ملايين شخص في أوكرانيا. كما يشير تقرير الأمم المتحدة العالمي حول أزمة الغذاء، لا تزال النزاعات هي السبب الجذري لانعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم.

الدور المتصاعد للبحر الأسود في الأمن الغذائي العالمي

برزت منطقة البحر الأسود، على مدار الثلاثين عاماً الماضية، كمورد عالمي رئيسي للحبوب والبذور الزيتية، بما في ذلك الزيوت النباتية. حيث أنها في أوائل التسعينيات، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، كانت المنطقة مستورداً للحبوب بشكل كامل. بينما تمثل اليوم صادرات روسيا وأوكرانيا حوالي 12٪ من إجمالي السعرات الحرارية المتداولة في العالم. يُعد هذان البلدان من بين أكبر خمسة مصدرين عالميين للعديد من الحبوب والبذور الزيتية المهمة، بما في ذلك القمح والشعير وعباد الشمس والذرة. كما تعتبر أوكرانيا أيضاً مورداً رئيسياً لزيت بذور عباد الشمس، حيث توفر حوالي 50 ٪ في السوق العالمية.

تعتمد العديد من الدول المستوردة على هذه المنتجات من أوكرانيا وروسيا. حيث تستورد منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط أكثر من 50٪ من احتياجاتها من الحبوب ومعظم القمح والشعير من أوكرانيا وروسيا. كما أن أوكرانيا مورد مهم للذرة  بالنسبة للاتحاد الأوروبي والصين، بالإضافة إلى العديد من مناطق شمال إفريقيا، خاصة مصر وليبيا.

التأثيرات المحتملة على المدى القصي

ستؤثر الأزمة على صادرات الحبوب من أوكرانيا وروسيا. حيث يتم حصاد معظم القمح والشعير في هذين البلدين في الصيف وتصديره في الخريف. وبحلول فبراير، تكتمل عادة معظم صادرات القمح والشعير وبذور عباد الشمس. كما تعتبر صادرات الذرة الأوكرانية كثيفة بشكل عام بدءاً من الربيع لغاية أوائل الصيف. يتم إرسال معظم الحبوب إلى الأسواق العالمية من أوديسا والموانئ الغربية الأخرى على البحر الأسود، بعيداً عن المناطق المحتلة في شرق البلاد. لكن بالنظر إلى الإجراءات العسكرية الروسية الأخيرة، يبدو أن تقليص الصادرات مرجح بشكل متزايد. بالتالي يمكن أن تكون للعمليات العسكرية عواقب قصيرة وطويلة المدى على قدرة أوكرانيا على نقل الحبوب داخل حدودها وخارجها، لا سيما إذا ألحقت الضرر بمرافق الموانئ والسكك الحديدية.

إذا نظرنا إلى محصول 2022؛ تلبي منطقتا لوهانسك ودونيتسك الانفصاليتان حوالي 5 في المائة من إنتاج الشعير، و8 في المائة من إنتاج القمح و9 في المائة من إنتاج بذور عباد الشمس في أوكرانيا. ومع ذلك، تقع أكبر مناطق الإنتاج في أجزاء أخرى من أوكرانيا، التي تحد روسيا وبيلاروسيا مباشرة، وحيث تتركز القوات الروسية أيضاً. كما يتم توفير حوالي 25-30٪ من إنتاج بذور الذرة وعباد الشمس، و10-15٪ من إنتاج الشعير و25٪ من إنتاج القمح من هذه المناطق. حيث أنه يبدأ زرع الشعير في شهر مارس، ويبدأ بذر الذرة بشكل عام في شهر أبريل. بينما لا يُزرع القمح الشتوي عادة حتى سبتمبر.

التأثيرات على المدى الطويل

من المرجح أن يؤدي الغزو الروسي لأوكرانيا إلى فرض عقوبات مضادة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى قد يكون لها تداعيات كبيرة على صادرات روسيا من الغاز الطبيعي والأسمدة. حيث تمثل صادرات الغاز الطبيعي الروسية حوالي 20٪ من التجارة العالمية، وتوفر روسيا حوالي 40٪ من واردات الاتحاد الأوروبي الحالية. بالتالي يمكن للعقوبات أن توقف التجارة وتدفع أسعار الغاز إلى مستويات أعلى. وهنا قد يلجأ المستوردون الأوروبيون إلى موردين آخرين مثل الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، فإن القضايا اللوجيستية (الصادرات الأمريكية من الغاز الطبيعي المسال) تزيد من التكاليف ولا تقدم فائدة كبيرة، على الأقل على المدى القصير.


يعتبر الغاز الطبيعي أيضاً مادة خام هامة لإنتاج الأسمدة النيتروجينية مثل الأمونيا واليوريا. سيتفاقم التأثير على أسعار الأسمدة وذلك لأن روسيا هي مورد رئيسي للأسمدة النيتروجينية والبوتاسيوم. حيث تمتلك روسيا حوالي 15٪ من التجارة العالمية في الأسمدة النيتروجينية و17% من صادرات أسمدة البوتاسيوم العالمية. أما بيلاروسيا، حليف روسيا والتي تستهدفها حالياً بعض العقوبات الدولية، فإنها تستحوذ أيضاً على 16٪ إضافية من حصة السوق العالمية في صادرات البوتاس. بالنسبة لبعض البلدان، بما في ذلك أوكرانيا، يمكن أن يكون الاعتماد على الإمداد من هذين البلدين شديداً للغاية (60٪ أو أكثر).

اهتز سوق الأسمدة العالمية بسبب الأسعار المرتفعة القياسية. كما أن المزيد من النقص في الأسمدة سيكون له آثار عالمية. لا سيما في الوقت الذي تنخفض فيه المخزونات العالمية وتصل الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث يمكن أن يقلل ذلك من استخدام الأسمدة إلى حد كبير في البلدان النامية بسبب تأثير الأسعار، مما يؤدي إلى ضعف المحاصيل المحلية.

الخطوات التالية المحتملة

يتسبب الغزو الروسي لأوكرانيا بمخاطر جسيمة على الأمن الغذائي العالمي، الأمر الذي يتطلب مجموعة من الردود من الحكومات والمنظمات الدولية. لا يزال الوضع متقلباً للغاية ويجلب حالة من عدم اليقين إلى سوق الحبوب العالمية، والتي تعاني بالفعل من تقلص العرض. ومما يثير القلق كذلك هشاشة البلدان المستوردة للمواد الغذائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تعتمد بشكل كبير على أوكرانيا في توريد هذه المواد الغذائية.

يجب أن تتضمن الاستجابة الدولية للأزمة الأوكرانية بُعدًا قوياً من أجل الأمن الغذائي العالمي وضمان ألا تؤثر أي عقوبات ضد روسيا على أطراف ثالثة تعتمد على الصادرات الروسية. وحيثما أمكن، ينبغي السماح باستمرار صادرات الأغذية والأسمدة دون عوائق؛ خلافاً لذلك، يجب تزويد دول الأطراف الثالثة المتضررة بحِزم دعم للتخفيف من آثار هذه العقوبات. حيث أن فرض عقوبات على هذه القطاعات لن يؤدي إلا إلى تفاقم النقص العالمي في إمدادات الحبوب ومعاقبة السكان الذين يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي.

مع الارتفاع السريع في أسعار السلع الزراعية، هناك خطر أن تحاول بعض البلدان عزل المنتجين المحليين عن طريق تقييد الصادرات. لذلك يجب تجنب مثل هذه الإجراءات. كما رأينا في عامي 2007 و2008 و 2010-11، يمكن لسياسات إيذاء الجار أن يكون لها آثار ضارة على البلدان المستوردة، وخاصة الأكثر ضعفاً. في هذا السياق، ينبغي تشريع كل من عقوبات إنفاذ القانون الدولي وقيود التصدير المستخدمة لحماية المستهلكين المحليين لحماية الأمن الغذائي العالمي ويجب تقييم عواقبها على الأطراف الثالثة بعناية.

ختاماً، سيؤدي اعتماد العديد من دول العالم على منتجات الطاقة الروسية إلى مناقشات سياسية مهمة. ومن المرجح أن يكون هناك دعوات لمزيد من الاستقلالية والتنويع في مجال الطاقة. ومع ذلك، ينبغي النظر إلى السياسات التي تتطلب زيادة إنتاج الوقود الحيوي بعين الاعتبار. حيث يؤدي توجيه الاستهلاك الحالي للمنتجات الغذائية (الذرة والقمح والبذور الزيتية) إلى الاستخدامات غير الغذائية في جميع أنحاء العالم، من الاتحاد الأوروبي إلى إندونيسيا، بالفعل إلى خلق توترات كبيرة في أسواق الأغذية والأسمدة. لذلك يعد اتباع نهج شامل لأمن الغذاء والطاقة أمراً بالغ الأهمية لضمان أن تظل النتائج الغذائية أولوية.

مقالات في فئة غلاف الملف
04 محرم 14416 دقيقة للقراءة

إغناء الدقيق: طريقة بسيطة ومنخفضة التكاليف لمكافحة نقص المغذيات الدقيقة في جميع أنحاء العالم

«في الحين الذي لا يزال فيه الجوع الخفي مشكلة صحية منتشرة في جميع أنحاء العالم، يبر ز مفهوم إغناء ال...

07 ربيع الثاني 14436 دقيقة للقراءة

الأساليب المبتكرة في معالجة الحبوب

يعتمد مجال المطاحن بالأساس على إدارة الكميات. حيث يجب أن يتم انتاج الكميات المطلوبة في مدة معينة با...

21 ذو القعدة 14434 دقيقة للقراءة

ظهور دقيق البقوليات ومكوناته